لبنان... حين تصبح السيادة قابلةً للتحقق

08/14/2026 - 21:17 PM

Jonathan Amireh

 

 

 

جمال دملج *

لم يعد الدور البريطاني في لبنان مجرد عنوان من عناوين الدعم الدولي للمؤسسات الأمنية اللبنانية. فمذكرة التفاهم الجديدة بشأن البرنامج البريطاني لدعم الأمن في لبنان تكتسب، في توقيتها ومضمونها، دلالة تتجاوز التعاون الأمني التقليدي، ولا سيما أنّ بريطانيا راكمت خلال السنوات الماضية خبرة واسعة في مساعدة لبنان على حماية حدوده وتعزيز قدرات مؤسساته الأمنية.

لكن الأهم في هذه اللحظة ليس السؤال عن مقدار ما تقدمه بريطانيا للبنان، بل عن طبيعة المرحلة التي يدخلها لبنان نفسه. فبين الحدود الشرقية مع سوريا، حيث تعمل الدولة اللبنانية على تشديد الرقابة ومكافحة التهريب، والحدود الجنوبية، حيث أصبحت قدرة الدولة على بسط سلطتها جزءًا أساسيًا من أي تسوية مقبلة، يبدو لبنان أمام اختبار مختلف: لم يعد المطلوب منه أن يعلن التزامه باستعادة سيادته فحسب، بل أن يثبت قدرته على ممارستها على الأرض.

تفعيل المسارات السابقة

هنا تحديدًا تكتسب الشراكة البريطانية معناها. فالمملكة المتحدة ليست وافدًا جديدًا إلى الملف الأمني اللبناني، لا سيما أنها دعمت منذ سنوات مشاريع تتصل بأمن الحدود اللبنانية، كما ساهمت في تدريب الأجهزة الأمنية وتعزيز قدراتها في مواجهة التهريب والتهديدات الأمنية. وهذا التراكم يجعل وجودها الحالي امتدادًا لمسار سابق، وإن كانت طبيعة المرحلة الجديدة تمنح هذا الدور أبعادًا أكثر حساسية.

والمعروف أنّ الحدود الشرقية كانت، ولا تزال، أحد الاختبارات المباشرة لقدرة الدولة على حماية أراضيها ومنع استخدام حدودها ممرًا للسلاح والمخدرات والأنشطة غير الشرعية. أما الجنوب، فقد تحول إلى اختبار أكثر تعقيدًا، لأنه يرتبط مباشرة بمسألة حصرية السلاح وبقدرة الجيش اللبناني على الانتشار وفرض سلطة الدولة، وبالمسار التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل.

ومن هنا، فإنّ الحديث عن احتمال مشاركة بريطانيا في آلية دولية للتحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية في المناطق التجريبية المقترحة في الجنوب ليس تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل إنه يعكس تحولًا في طبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية وشركائها الدوليين، لا سيما أنّ المجتمع الدولي لا يكتفي، في هذه المرحلة، بسماع ما تقوله الدولة عن خططها والتزاماتها، وخصوصًا في ظل بروز الحاجة المتزايدة إلى آلية تستطيع أن تتحقق من النتائج التي تحققت فعلًا.

مفارقات السيادة

لقد برزت بالفعل أسماء بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا كدول محتملة للمساهمة في آلية التحقق، وإن كانت تفاصيل المهمة وصلاحيات المشاركين وطبيعة وجودهم على الأرض لا تزال موضع بحث وتفاوض.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف عندها. فلبنان يريد أن يستعيد سيادته، لكن الطريق إلى إثبات هذه السيادة قد يمر، في مرحلة انتقالية، عبر وجود دول أجنبية تساعده على مراقبة الحدود، أو تدرب مؤسساته، أو تتحقق من مدى التزامه بما تعهد به.

هل يعني ذلك أن السيادة اللبنانية تُنتقص؟ ليس بالضرورة. فالسيادة ليست مجرد رفض أي دور خارجي، كما أنها ليست مجرد رفع شعار استقلال القرار. السيادة، في معناها العملي، هي أن تكون الدولة قادرة على حماية حدودها، وضبط أراضيها، واحتكار قرار الحرب والسلم، وتطبيق قوانينها على الجميع.

وعندما تكون الدولة غير قادرة، لسبب أو لآخر، على القيام بكل هذه الوظائف وحدها، يمكن للمساعدة الدولية أن تكون وسيلة انتقالية نحو استعادة القدرة، لا بديلًا دائمًا عنها.

الاختبار الحقيقي

هنا يمكن القول بأمانةٍ إنّ المشكلة تبدأ فقط عندما تتحول المساعدة إلى بديل عن الدولة، أو عندما يصبح التحقق الخارجي هو القاعدة بدل أن يكون جسرًا مؤقتًا نحو قدرة وطنية مكتملة.

وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام لبنان. فالجيش اللبناني لا يحتاج فقط إلى مزيد من الدعم والتجهيز والتدريب، على أهميتها. إنه يحتاج إلى بيئة سياسية وقانونية وأمنية تسمح له بأن يمارس المهمة التي يفترض أن تكون من صميم وظيفة الدولة: حماية الأرض ومنع أي قوة مسلحة أخرى من امتلاك قرار أمني أو عسكري خارج مؤسساتها الشرعية.

ومن هذه الزاوية، فإنّ الحدود الشرقية والحدود الجنوبية ليستا ملفين منفصلين. إنهما وجهان لسؤال واحد: من يملك القرار على الأرض اللبنانية؟

في الشرق، المطلوب أن تكون الحدود تحت رقابة الدولة لمنع التهريب وحماية الأمن الوطني. وفي الجنوب، المطلوب أن تكون الدولة قادرة على الانتشار وفرض سلطتها وتنفيذ التزاماتها الأمنية. وبينهما تتحدد صورة الدولة اللبنانية التي يريدها اللبنانيون، والتي بات المجتمع الدولي يربط بها بصورة متزايدة أي مسار للاستقرار وإعادة بناء المؤسسات.

الأسئلة الصعبة

وزارة الدفاع اللبنانية كانت قد عبّرت في وقت سابق عن هذا الترابط بوضوح عندما ربطت استمرار المفاوضات بهدف استعادة السلطة الكاملة للدولة اللبنانية على كل شبر من أراضيها، وتمكين الجيش من متابعة تنفيذ الخطة المتعلقة بحصر السلاح وبسط سلطة الدولة.

لذلك، فإنّ السؤال الذي سيواجه لبنان في المرحلة المقبلة لن يكون: هل تعهدت الدولة ببسط سلطتها؟ فهذا السؤال أجيب عنه سياسيًا بالفعل.

السؤال الأصعب هو: هل تستطيع الدولة أن تثبت ذلك ميدانيًا؟

وهنا تصبح المناطق التجريبية المقترحة أكثر من مجرد ترتيبات جغرافية مؤقتة. إنها قد تتحول إلى مختبر حقيقي لقياس قدرة الدولة اللبنانية على الانتقال من النصوص والوعود إلى الوقائع.

وإذا نجحت التجربة، فقد تكون خطوة في اتجاه استعادة الثقة بالدولة اللبنانية، داخليًا وخارجيًا. أما إذا تعثرت، فإنّ المشكلة لن تكون فقط في تأخير انسحاب إسرائيلي أو تعطيل جولة تفاوضية جديدة، بل في إعادة إنتاج السؤال القديم نفسه: هل يمتلك لبنان دولة قادرة على تنفيذ ما تقرره؟

ملامح المعركة الحقيقية

لقد عاش لبنان سنوات طويلة في منطقة رمادية بين الدولة والسلطة، وبين السيادة القانونية والسيادة الفعلية. أما المرحلة المقبلة فتبدو مختلفة، لأنّ قدرة الدولة على ممارسة وظائفها الأساسية باتت تدخل في صلب الترتيبات الأمنية والسياسية التي تحيط بلبنان من أكثر من جهة.

ولعل المفارقة الأبرز أنّ لبنان، وهو يحاول استعادة سيادته، قد يجد نفسه مضطرًا في البداية إلى قبول أن يراقب الآخرون مدى نجاحه في استعادتها.

لكن ذلك لا ينبغي أن يكون قدرًا دائمًا. فالغاية من أي شراكة أمنية أو آلية تحقق أو دعم دولي يجب أن تكون واضحة: مساعدة الدولة اللبنانية على الوصول إلى اللحظة التي لا تعود فيها بحاجة إلى من يتحقق من سيادتها، لأنها تصبح قادرة على إثباتها بنفسها.

عندها فقط يمكن القول إنّ لبنان لم يعد يطلب الاعتراف بسيادته، بل أصبح يمارسها. وهذه هي المعركة الحقيقية التي تنتظر الدولة اللبنانية: ليس استعادة السيادة في الخطاب، وإنما تحويلها إلى حقيقة يمكن رؤيتها وقياسها والتحقق منها على الأرض.

 

* إعلامي وكاتب لبناني

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment