لبنان... دولةٌ تفاوض الخارج وتختبر الداخل

08/12/2026 - 11:41 AM

Your Ad Here

 

 

 

سيرينا جمال دملج *

ليس من السهل على بلدٍ مثل لبنان أن يغيّر صورته عن نفسه بين ليلةٍ وضحاها. فالدولة التي أمضت عقودًا وهي تتأرجح بين أزمات الداخل وضغوط الخارج، تجد نفسها اليوم أمام اختبارٍ مزدوج: أن تستعيد موقعها في العالم، وأن تعيد في الوقت نفسه ترتيب علاقتها بمواطنيها.

ولعل المشهد اللبناني الراهن يختصر هذه المفارقة في حدثين يبدوان، للوهلة الأولى، منفصلين تمامًا. ففي الجنوب، تفاوض الدولة اللبنانية الولايات المتحدة حول تطبيق اتفاق الإطار، وتبحث مع الجانب الأميركي في الترتيبات الأمنية التي يمكن أن تمهّد لجولة جديدة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في مطلع أيلول/سبتمبر. وفي ساحة النجمة، يقرّ مجلس النواب قانونًا جديدًا للإعلام، وسط اعتراض نقابتي الصحافة والمحررين على مواد فيه تتيح، بحسب منتقديه، توقيع عقوبات بالسجن والغرامات على صحافيين بسبب نشر ما يمكن اعتباره أخبارًا كاذبة أو مؤذية.

لكن الحدثين، في العمق، يطرحان السؤال نفسه: أي دولة يريد اللبنانيون أن يستعيدوا؟

في الجنوب... الدولة تستعيد مقعدها

كان مجرد أن تصبح الدولة اللبنانية طرفًا مباشرًا في مسار تفاوضي حول مستقبل الحدود والأمن والسلام، أمرًا يبدو بعيد المنال في مراحل سابقة.

أما اليوم، فإن رئيس الجمهورية جوزيف عون يبحث مع الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد في الإجراءات الآيلة إلى تطبيق اتفاق الإطار، فيما يناقش قائد الجيش الترتيبات الأمنية المرتبطة به والصعوبات التي تواجه المؤسسة العسكرية في الجنوب.

وثمة حديث عن لجنة تضم ضباطًا من دول متعددة لمراقبة تنفيذ الاتفاق، وعن احتمال استئناف المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في بداية أيلول/سبتمبر المقبل.

قد لا يكون الطريق سهلًا، وقد تبقى العمليات الإسرائيلية تذكيرًا يوميًا بهشاشة الوضع الميداني، لكن ثمة تغييرًا لا يمكن تجاهله ويتمثل في أن الدولة اللبنانية تحاول أن تكون صاحبة القرار في المسار الذي يحدد مستقبل الحرب والسلام. وهذا، بحد ذاته، ليس تفصيلًا صغيرًا في بلدٍ طالما عانى من تعدد القرارات وتداخل الساحات.

فالدولة لا تستعيد سيادتها فقط عندما ينتشر جيشها على أرضها، بل أيضًا عندما تصبح قادرة على التفاوض باسمها، وعلى أن تقول للعالم ما الذي تريده، وما الذي تقبله، وما الذي ترفضه.

في بيروت... الدولة تختبر علاقتها بالكلمة

لكن استعادة الدولة لموقعها الخارجي لا تكفي وحدها. فالدولة التي تريد من العالم أن يثق بمؤسساتها، ومن اللبنانيين أن يثقوا بقدرتها على حماية حدودهم ومصالحهم، مطالبة أيضًا بأن تُثبت أن الداخل اللبناني ليس فضاءً للخوف من الدولة، بل فضاءً للثقة بها.

وهنا يأتي قانون الإعلام الجديد. فصحيح أن القانون يتضمن، وفق ما أُعلن، مواد إصلاحية مهمة، من بينها منع التوقيف الاحتياطي في جرائم الإعلام وإبعاد المحاكم الاستثنائية، إضافة إلى تنظيم أكثر شفافية للمؤسسات الإعلامية. لكن المشكلة تبدأ عندما تدخل عبارات فضفاضة إلى النصوص العقابية، وتصبح الكلمة الصحافية نفسها قابلة لأن تقود صاحبها إلى السجن أو إلى غرامات مالية ثقيلة.

والمعروف أن الصحافة قد تخطئ، كما يخطئ السياسي والقاضي والوزير والنائب والصحافي، لا سيما في بلدٍ عانى على مر العقود الماضية من وصايات خارجية أربكته مثل لبنان. لكن علاج الخطأ الصحافي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإخافة الصحافة في هذه الأيام التي تُبنى فيها ركائز الدولة اللبنانية من جديد.

لا دولة قوية من دون صحافة حرة

ثمة علاقة عميقة بين المسارين، ربما لا تبدو واضحة للوهلة الأولى. فاتفاق الإطار يسأل: من يملك قرار الحرب والسلام؟ أما قانون الإعلام فيسأل: من يملك حق الكلام عن هذا القرار؟

وفي الحالتين، نحن أمام مفهوم واحد: مفهوم الدولة... والدولة القوية ليست تلك التي تستطيع أن تفرض الصمت، بل تلك التي تستطيع أن تسمع النقد من دون أن تهتز.

وليست الدولة التي تخشى الصحافي دولةً واثقة من مؤسساتها، كما أن الدولة التي تسمح بتعدد مراكز القرار في الحرب والسلم ليست دولةً مكتملة السيادة.

لهذا، فإن استعادة هيبة الدولة اللبنانية لا يمكن أن تكون انتقائية: لا يمكن أن نطالب العالم بأن يحترم سيادة لبنان فيما يخشى اللبناني أن يسأل دولته عن سياساتها. ولا يمكن أن نطلب من الصحافة أن تكون مسؤولة، فيما نترك تعريف الخطأ واسعًا إلى درجة تسمح بتحويل الخلاف السياسي أو النقد المهني إلى قضية جنائية.

دولةٌ تفاوض الخارج وتسمع الداخل

ربما يكون لبنان أمام لحظة مختلفة فعلًا. ففي الخارج، يحاول أن يخرج من زمن كانت فيه أرضه ساحةً لصراعات الآخرين، وأن يدخل تدريجيًا إلى زمن تصبح فيه الدولة صاحبة الكلمة في تقرير مستقبلها.

وفي الداخل، يحتاج إلى أن يثبت أن استعادة السلطة لا تعني استعادة أدوات القمع، وأن هيبة المؤسسات لا تقوم على الخوف منها، بل على الثقة بها.

ولعل لبنان الذي يفاوض الولايات المتحدة حول أمنه وحدوده، ويستعد لمفاوضات جديدة مع إسرائيل، يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يطمئن صحافييه وكتّابه ومواطنيه إلى أن الدولة التي تحميهم من الحرب لن تحوّل الكلمة إلى جريمة. فالسيادة ليست حدودًا فقط. والدولة ليست جيشًا ومؤسسات فقط. والحرية ليست امتيازًا ممنوحًا من السلطة... إنها جميعًا أجزاء من المعنى نفسه.

الدولة التي نريدها

ربما يكون لبنان اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف الدولة، لا مجرد إعادة ترميم مؤسساتها. دولةٌ تستعيد قرارها في الجنوب، وتحمي حق مواطنيها في الكلام في بيروت. دولةٌ تستطيع أن تتفاوض مع الخارج من موقع المسؤولية، وأن تستمع إلى الداخل من موقع الثقة. دولةٌ لا تحتاج إلى إسكات الصحافة كي تثبت هيبتها، ولا إلى الاستعانة بقوة خارج مؤسساتها كي تثبت سيادتها.

فالدولة التي تستحق أن تُبنى ليست تلك التي يخافها مواطنوها، بل تلك التي يشعرون بأنها تحميهم. وربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي للبنان الجديد: أن يتعلم أخيرًا كيف يكون قويًا في الخارج... من دون أن يصبح ضعيفًا أمام حرية أبنائه في الداخل.

 

* إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية مقيمة في واشنطن

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment