أصعبُ رحيل… أن يرحلَ عنك، ولا يرحلَ منك أن تترك وطنك، ويبقى الوطن فيك. أن تبتعد عن بيتك، وتبقى رائحته في ذاكرتك. أن تفار

08/12/2026 - 11:04 AM

Atlantic home care

 

 

كتب: بركات شاهين

أن تترك وطنك، ويبقى الوطن فيك.

أن تبتعد عن بيتك، وتبقى رائحته في ذاكرتك.

أن تفارق أهلك، وتظل أصواتهم تسكنك.

أن تمضي السنوات، وتظل هناك أيام قديمة ترفض أن تمضي معك.

نحن السوريين لم نتغير لأننا أردنا أن نتغير…

غيّرتنا الظروف.

غيّرتنا الحرب، والغلاء، والفقر، والمرض، والحصار، والندرة في كل شيء؛ حتى الماء والكهرباء والخبز و الغاز …أصبح لها حساب آخر في حياتنا. ثم جاء النزوح والهجرة والتهجير، فتفرقت العائلات، وتشتت الناس في أصقاع الأرض، وأصبح السوري يحمل وطنه في حقيبته، وفي ذاكرته، وفي قلبه.

أنهكتنا الحياة بما يكفي دمار و خراب و صواريخ و براميل و غازات سامة ..

أخذت منّا الحرب أشياء كثيرة؛ أخذت أشخاصًا نحبهم، وأخذت بيوتًا وذكريات، وأخذت شيئًا من براءتنا، ومن طمأنينتنا، ومن قدرتنا على الفرح.

أصبحنا غرباء حتى عن أنفسنا.

فقدنا اللهفة، وخفت الاشتياق خلف كثرة الفقد، وتراجع الوئام الاجتماعي أمام الخوف والحاجة والقلق. وأصبح الحنين إلى الماضي أقوى، ربما لأن منافذ المستقبل ضاقت، وربما لأن الماضي، بكل بساطته، كان أكثر رحمة بنا.

اشتقنا إلى أيام كانت همومنا فيها على مقاسنا؛

همومًا صغيرة نعرف كيف نحلها، وأحزانًا نعرف كيف نتجاوزها، وأفراحًا كانت تحتاج إلى أشياء بسيطة كي تكتمل.

اشتقنا إلى بيتٍ يجمع أهله، وإلى جارٍ يعرف جاره، وإلى مائدةٍ لا ينقصها أحد، وإلى عيدٍ لا يبحث فيه أحد عن غائب، وإلى عرسٍ لا تختلط فيه الزغاريد بذكريات الذين رحلوا.

ثم جاء الثالوث القاسي: الحرب والفقر والمرض، و جاءت الزلازل بما حملته من موت ودمار وفقدان.

غاب أحباء عن بيوتهم إلى الأبد، وتفرقت الأسر بين لجوء وهجرة ونزوح وتهجير، وأصيب جيل كامل بشيء لا يُرى بالعين؛ جرحٍ عميق في الروح، وشعور دائم بأن الحياة يمكن أن تسلب منك كل شيء في لحظة.

ولم يعد الموت وحده هو الفاجعة…

حتى تفاصيل الحياة نفسها تغيّرت.

غابت أفراح كثيرة، وتفرقت العائلات، وتصدع النسيج الاجتماعي، وانتشرت مظاهر لم تكن مألوفة بهذا الشكل في المجتمع السوري؛ من السلاح والعنف والمخدرات والجريمة، إلى استغلال النساء والاتجار بهن، وكل ما رافق سنوات الانهيار من مآسٍ تركت ندوبها في المجتمع والإنسان.

ثم أصبح الاغتراب حلمًا يراود جيلًا كاملًا.

ليس لأن الغربة جميلة، وإنما لأن الوطن أصبح، بالنسبة للكثيرين، مكانًا لا يستطيعون فيه أن يعيشوا كما يريدون.

فخرجوا…

خرجوا بحثًا عن الأمان، عن لقمة العيش، عن مستقبلٍ أفضل لأبنائهم، عن مكان يستطيعون فيه أن يناموا دون خوف. لكنهم اكتشفوا أن الرحيل لا يعني دائمًا النجاة من الوطن. فقد تسافر آلاف الكيلومترات، ويبقى شارع طفولتك أقرب إليك من كل المدن.

قد تبني بيتًا جديدًا، لكن نافذة بيتك القديم تظل مفتوحة في ذاكرتك. وهنا تكمن قسوة الرحيل… أن تصبح غريبًا في الخارج، وغريبًا في الداخل أيضًا.

نحن اليوم في شتاتٍ جديد؛ غرباء في وطننا، وغرباء خارجه. نبحث بين زوايا العمر عن ممرات صغيرة نسرق منها لحظات لا تُنسى؛ لحظات يصمت فيها كل جدال، وكل عتاب، وكل هذا التعب المتراكم. نبحث عن صورة قديمة، عن صوتٍ غاب، عن جلسة عائلية لن تتكرر، عن وجهٍ لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة. لقد تغيّرت مواصفاتنا فعلًا. أرهقتنا الحياة حتى أصبح لكل واحد منا طريقته الخاصة في النجاة.

هناك من هاجر، ومن نزح، ومن بقي، ومن فقد بيته، ومن فقد أهله، ومن فقد الاثنين معًا. هناك من يحمل عكازًا، ومن يحمل صورة، ومن يحمل ذكرى، ومن يحمل وطنًا كاملًا في قلبه. مشردون، ويتامى، وأرامل، ومصابون، مشردون، ومهاجرون، ونازحون

هذه هي سوريا التي نعرفها اليوم… سوريا التي حاصرها الليل المظلم، وغدر بها الزمان، وأثقلتها السنوات. فأصعبُ رحيل… أن يرحلَ عنك ، ولا يرحلَ منك.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment