ليس بالموت وحده يخدم الإنسان وطنه

08/10/2026 - 08:54 AM

Jonathan Amireh

 

 

مفيد خطّار

عندما تُقدَّم مصلحةُ دولةٍ خارجية على مصلحة الوطن، ويُسلَّم قرارُ الحرب والسلم لإرادة الخارج، يصبح التساؤل مشروعًا: كيف يمكن لجماعةٍ أن تربط مصيرها بمشروعٍ يتجاوز حدود وطنها، ولو كان الثمن تعريض الوطن للحروب والدمار وتهديد مستقبل أبنائه؟

هذا السؤال لا يقتصر على السياسة، بل يمتدّ إلى علم الاجتماع وعلم النفس الجماعي. فمن منظور الدولة الوطنية، يبدو عسيرًا فهمُ قبول جماعةٍ التضحية باستقرار وطنها أو سيادته خدمةً لمشروعٍ خارجي. غير أنّ الجماعات لا تتحرّك دائمًا بمنطق الدولة، بل بمنطق هويّاتٍ قد تراها أسمى من الوطن نفسه: دينيةً، أو مذهبيةً، أو عقائديةً، أو أيديولوجيةً. وعندما تتحوّل هذه الهويّات إلى المرجعية العليا، تتراجع الدولة إلى مرتبةٍ ثانوية، وتغدو السيادة الوطنية تفصيلًا أمام ما يُنظر إليه بوصفه قضيةً أكبر.

غير أنّ الإشكالية لا تكمن في استدراج الحروب إلى أرض الوطن فحسب، بل أيضًا في إعادة تفسير أثمانها على أنّها انتصاراتٌ أو تضحياتٌ لا بدّ منها. وهنا لا تُقاس الوقائع بميزان المصلحة الوطنية أو رفاه المواطنين، بل بمدى خدمتها للمشروع الذي تنتمي إليه الجماعة. فتغدو الخسارة بطولة، والمعاناة برهانًا على صدق القضية، فيما يغيب السؤال الأهمّ: ماذا ربح الوطن من كلّ ذلك؟

والمفارقة أنّ أوّل المتضرّرين من هذا النهج هم، في الغالب، أبناء تلك الجماعة أنفسهم. فالحروب تستنزف الجميع: أرواحًا، وطاقاتٍ، واقتصادًا، وثقةً متبادلة بين مكوّنات الوطن. ومع تكرار التجربة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تُحمى الجماعة بربط مصيرها بمشاريع خارجية، أم بترسيخ حضورها داخل دولةٍ قوية، سيّدة، عادلة، تحمي جميع أبنائها بلا استثناء؟

وهنا تبرز مفارقةٌ أشدُّ قسوةً من الحرب نفسها. فالخطر لا يأتي دائمًا من الخصم المعلن، بل قد يأتي أيضًا ممّن يدفع جماعةً إلى خوض معارك تتجاوز مصالحها الوطنية، ويقنعها بأنّ تزايد التضحيات دليلُ صوابِ النهج، لا موجبٌ لمراجعته.

فمن يستثمر في دماء الآخرين لتحقيق أهدافه، فيما يتحمّل غيره القتل والتهجير والخراب، لا يمكن تبرئته من مسؤوليته الأخلاقية والسياسية. لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من حارب هذه الجماعة؟ بل أيضًا: من دفعها إلى تلك الحروب؟ ومن جنى ثمار التضحيات التي قدّمتها؟

ولعلّ ما يدعو إلى التأمّل ليس وجود مشاريع خارجية تسعى إلى توظيف جماعاتٍ محلّية لخدمة مصالحها؛ فالتاريخ حافلٌ بمثل هذه النماذج. إنّما المقلق هو الإصرار على دفع الأثمان نفسها مرارًا، من دون مراجعةٍ نقدية للنتائج، أو مساءلةٍ صادقة للحصيلة. فالوطن ليس ساحةً لتصفية حسابات الآخرين، ولا قيمة لأيّ انتصارٍ مزعوم إذا كان ثمنه إضعاف الدولة، وتفكّك المجتمع، وتهديد مستقبل الأجيال.

ليس بالموت وحده يخدم الإنسان وطنه، بل بالحياة التي يبنيها فيه. يخدمه حين يزرع الأمل بدل الخراب، والعلم بدل الجهل، والعمل بدل انتظار الحروب. فالأوطان لا تُقاس بعدد من يموتون لأجلها، بل بعدد من يحيون لها؛ يبنون مؤسساتها، ويصونون سيادتها، ويحفظون وحدتها، ويؤمّنون مستقبل أبنائها.

وليس بالموت وحده يموت الإنسان؛ فقد يموت يوم يفقد حريته، ويعطّل عقله، ويتخلّى عن شجاعة المراجعة، ويستسلم لوهمٍ يجعل الولاءات تتقدّم على الوطن. ويحيا يوم ينتصر للحقيقة، ويجعل الوطن فوق كلّ ولاء، ويجعل الدولة مرجعيته، والإنسان كرامته وغاية كلِّ مشروعٍ سياسي.

فلا قضيةَ تسمو على وطنٍ يحتضن أبناءه جميعًا، ولا انتصارَ يستحقُّ اسمه إذا كان ثمنه خرابَ الوطن وضياعَ الإنسان. فالوطنُ ليس وسيلةً لمشروعٍ آخر، بل هو الغايةُ التي تُقاس بها جميعُ المشاريع، وهو البيتُ الذي لا يملك أبناؤه بيتًا سواه.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment