القلب الإلهيّ في قصور الحكم: صرخة حقّ من بعبدا إلى العالم

08/10/2026 - 15:56 PM

Your Ad Here

 

 

الخوري الدكتور نبيل مونس

هل هناك مكانٌ للقلبِ الإلهيّ في قصورِ الحكمِ؟ وهل يستطيعُ العالمُ اليومَ أن يتحمّلَ هذا الإعصارَ العالميّ الذي يعبرُ فوق الأوطانِ، فيُحطّم ما يُحطّم، ويدمّرُ القلوبَ والمنازلَ والرّجاءَ والأملَ، حتى يكادُ الإنسانُ يسألُ: أين سبيلُ الخلاصِ؟ وأين سبيلُ الحياةِ؟

زيارةُ البطريركِ إلى قصرِ بعبدا أعادتْ إليَّ ذكرياتٍ عميقةً، يعودُ معظمُها إلى زمنِ حروبِ الجَهَلةِ والمغتصِبين والسّارقين، وأشباهِ الثوّارِ، ومَنِ انجرفوا وراءَ أيديولوجياتٍ عمياءَ من كلّ أطرافِ العالمِ. أقسو على تلكَ المرحلةِ في قلبي، لأنّني رأيتُ ما فعلتْه بنا: شرّدونا، وقتلوا الأهلَ، وأحرقوا الوطنَ، وسرقوا من الأطفالِ والشبابِ مستقبلَهم وأحلامَهم.

ولكن مهما اشتدّتْ قساوتي على تلك الجرائمِ، فإنّها لن تكون شيئًا أمام عدالةِ الله الذي يرى ما تخفيهِ القلوبُ، ويُحاسبُ على البربريّةِ والإرهابِ، وكلَّ مَن يجعلُ الدينَ ستارًا لغريزتِه أوِ المالَ وسيلةً إلى السلطةِ، أوِ السلطةَ غايةً لابتلاعِ الإنسانِ والوطنِ.

وبالرغم من كلّ العذابِ والألمِ أصرخُ في الزمنِ ومن قلبِ يسوعَ المطعونِ:

"اغفرْ لهم يا الله لأنّهم لا يدرون ما يفعلون."

لن أنسى جلوسَ ابنِ ضيعتي في بعبدا، الرئيسَ إلياس سركيس، وما صنعَه بتواضعٍ وورعٍ من أجلِ خلاصِ لبنان. لن أنسى ما تركَه من إرثٍ ماديّ ومعنويّ للقصرِ والوطن: في الذّهبِ، والاقتصادِ، والجيشِ، والصمودِ، وفي الإيمانِ بأنّ لبنان يستطيعُ أن يبقى واقفًا.

ولن أنسى عمّي، البروفيسور مونّس، الذي دافعَ عنِ الرئيسِ المعزولِ والمقصوفِ والمهدَّد في حياتِه. كان عمّي الحبيب يزورُه في قصرِ بعبدا، تحتَ القصفِ مع كلّ الحواجزِ والمخاطرِ، حتى يبقى صامدًا، وسياديًا، ويمنعَ الخوفَ من الدخولِ إلى قلبِه، لئلا تؤدّي الضغوطُ العسكريّةُ والمدفعيّةُ إلى تقطيعِ لبنانَ إلى أجزاءَ أو تسليمه لمَن أراد الاستيلاءَ عليه.

حفظكَ الرّب يا عمّي البطل في الوطن، وعلاّمةً في المعرفةِ، وقديسًا مخفيًا، وراهبًا في قلبِه، عاشقًا ليسوع، والحقّ، والمحبة.

ولن أنسى أخي بشارة، الذي عرّض حياتَه للموتِ دفاعًا عنِ بعبدا، على طرقاتِ الحازميّة والكحّالة والكحلونيّة، وفي شوارعِ بيروتَ القديمةِ لكي يبقى لبنانُ، ويبقى ساكنُ بعبدا، حرًا وسياديًا وقويًا، ويبقى الوجودُ المسيحيُّ فيه بركةً ومنارةً ومنبعًا للمعرفة والقداسة.

كما لن أنسى ابنَ عمّتي موريس القرداحي، حامل شهادة الدكتوراه في العلوم الهندسية إلكترو-ميكانيكل، الذي صارعَ في سبيلِ إيصالِ لبنان بالكيبل البحري المكوّن من الألياف الزجاجية، الذي بقي إلى اليوم كأنّه ذهبٌ، مصدرَ تواصلٍ حرٍّ بين الأحرارِ والسياديّين في لبنان.

ومن بعبدا، أرسل البطريركُ اليوم السّلامَ الجوهريّ:

سلامَ الأحرارِ والأبطالِ.

إنّه السّلامُ الذي طالبَ به البطريركُ صفير قبله، والذي حمله أيضًا البطريركُ المؤسِّس، الطوباويّ الياس الحويّك: سلامٌ لا يعني الاستسلامَ، بل يعني أن يعيشَ الإنسانُ حرًا، وأن يعيشَ الوطنُ سيّدًا، وأن يبقى الحقّ فوق القوّة، والإنسانُ فوقَ المصالحِ.

لقد أعاد لنا البطريركُ هذا الصوتَ النبويّ إلى سرّ القلبِ الإلهيّ؛ ذلك القلبِ الذي يرى خفايا القلوبِ والأرواحِ، والذي يدينُ ولا يُدان، والذي وحدَه يُغيِّر ولا يتغيّر.

ولعلّ أكبرَ خدعةٍ للشيطانِ هي أن يخدعَ الإنسانُ أخاه الإنسان، فيُوهمه أنّ الحقّ يُمكن أن يتغيّر، وأنّ كلمةَ الله يُمكن أن تتبدّل بحسبِ مصالحِ البشرِ وتفسيراتِهم.

أمّا المسيحُ يسوع، كلمةُ اللهِ الحقِ، ونورُ العالمِ، فقد أظهرَ لنا وجهَ الله الحقيقيّ. فكيف يُمكن لأيّ إنسانٍ، مهما كان مقامُه، وحتّى لوِ ادّعى النبوّةَ، أن يُغيّر ما أعلنه المسيحُ، كلمةَ اللهِ الحيّ، أو أن يضعَ كلامَ البشرِ فوق كلمةِ الله المتجسّدةِ في المسيحِ يسوع؟

المسيحُ هو الحقّ.

والمسيحُ هو النّورُ.

والمسيحُ هو الطريقُ إلى الخلاصِ.

لذلك، عندما يتكلّم صوتُ الحقّ، علينا أن نسمعَ. وعندما يُشرق النورُ، علينا أن نهتدي.

البطريركُ على حقٍّ في أن يُعيد إلى اللبنانيين الثقةَ بأنفسِهم وبوطنِهم وبالدولةِ.

وأكرّرها مجددًا:

خلاصُ العالمِ يمرّ أيضًا من خلاصِ لبنان.

فلنؤمنْ بالكلمةِ التي خرجتْ من فمِ البطريرك في بعبدا:

"السّماءُ مفتوحةٌ، وتُخاطبُ اللبنانيّين كي يثقوا بأنفسِهم وبوطنِهم وبدولتِهم. و15 قديسًا وطوباويًا مش لعبة، وما في ولا وطن هيك."

نعمُ، السّماءُ مفتوحةٌ.

والسماءُ لا تفتحُ أبوابَها أمام لبنان لكي يعودَ إلى ماضيه، بل لكي يكتشفَ رسالتَه.

لبنان ليس مجرّدَ قطعةِ أرضٍ.

وليس مجرّدَ نظامٍ سياسيٍّ.

وليس مجرّدَ ذاكرةَ حربٍ.

لبنان أمانةٌ. والقلبُ الإلهيّ لا يزال يسألُ قصورَ الحكمِ، كما يسألُ كلّ قلبٍ بشريّ:

أين أنتَ؟

وأين أخوك؟

وأين وطنُك؟

وأين الحقُ؟

فإذا دخل قلبُ الله إلى قلبِ الوطنِ، وإذا دخل الحقُ إلى قصورِ الحكمِ، وإذا دخلتِ المحبةُ إلى قلوبِ اللبنانيّين، فلا يكون لبنان مجرّد وطنٍ ينجو منَ العاصفةِ، بل يصبحُ شاهدًا للعالمِ على أنّ الرجاءَ يُمكن أن يولدَ من بين الرّكام.

يا ربّ، اجعلْ من لبنانَ وطنًا للحرّية، ومن بعبدا منبرًا للحقّ، ومن قلوبِ حكّامه وشعبه مسكنًا لقلبِك الإلهيّ.

واحفظْ لبنان، واحفظْ شعبَه، واجعلْ سلامَك فوق كلّ قوّةٍ، وحقّك فوق كلّ سلطةٍ، ومحبّتك فوقَ كلّ انقسامٍ.

آمين.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment