خطة إخراج المسيحيين من الإدارة تتقدّم… والمرجعيات السياسية والروحية تكتفي بالمشاهدة

08/06/2026 - 13:27 PM

Jonathan Amireh

 

 

دراسة من اعداد الاب البر حبيب عساف

في بلدٍ يقوم على معادلة دقيقة بين مكوّناته، تتقدّم اليوم خطة خطيرة تُدار بصمتٍ شديد، هدفها تفريغ الدولة من حضور المسيحيين داخل إداراتها ومؤسساتها. ليست الخطة انقلاباً صاخباً، ولا قراراً معلناً، بل مساراً بطيئاً وثابتاً، تُنفَّذ عبر عشرات الخطوات الصغيرة التي لا تُحدث ضجيجاً، لكنها تُحدث تغييراً جذرياً في بنية الدولة. ما يجري ليس نقاشاً حول حصص أو امتيازات، بل حول هوية الدولة نفسها، وحول قدرة النظام اللبناني على البقاء دولة شراكة لا دولة غلبة.

السؤال اليوم لم يعد ما إذا كان المسيحيون يريدون الاحتفاظ بمواقع داخل الإدارة، بل ما إذا كانت الدولة لا تزال قادرة على حماية الشراكة، وتطبيق معيار واحد للكفاءة، ومنع أي طائفة أو منظومة سياسية من تحويل الإدارات إلى مناطق نفوذ مغلقة. فحين تُفرغ المواقع المسيحية تدريجياً، لا يتغيّر عدد الموظفين فقط، بل تتغيّر طبيعة الدولة، وتختلّ توازناتها، وتُفتح الأبواب أمام نموذج جديد لا يشبه لبنان الذي عرفناه.

الخطة بدأت منذ سنوات، حين تُركت المواقع المسيحية من دون تعيينات، ومن دون بدائل، ومن دون تدريب كوادر جديدة. كلما تقاعد موظف، يُترك مركزه شاغراً، أو يُملأ بموظف بالوكالة من طائفة أخرى، بحجة الظروف أو الاستثناء. ومع الوقت، تحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وأصبح التعيين بالوكالة أداة سياسية تُستخدم لتغيير هوية الإدارة من الداخل. التعيين بالوكالة يعني أن الموقع لم يعد محمياً بالقانون، بل أصبح رهينة قرار سياسي، يمكن تمديده أو تغييره أو تثبيته وفق مصالح القوى النافذة، لا وفق مبدأ الشراكة.

ومع توسّع هذه الممارسة، بدأت الإدارات تُدار بمنطق النفوذ لا بمنطق الدولة. كل إدارة تُصبح مساحة نفوذ لفريق سياسي، وكل مركز يُمنح لمن يضمن الولاء، لا لمن يملك الكفاءة. وهكذا، تُفرغ المواقع المسيحية من دون مواجهة مباشرة، ومن دون قرارات صادمة، ومن دون ضجيج. إنها خطة صامتة، لكنها فعّالة، تُنفَّذ عبر تراكمات صغيرة تُنتج تغييراً كبيراً.

لكن الأخطر ليس فقط في الآلية، بل في غياب الحماية. فالمؤسسات الدستورية التي يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن الشراكة، تقف اليوم في موقع المتفرّج. رئاسة الجمهورية التي يُفترض أن تكون الضامن الأول للتوازن الوطني، دخلت في مرحلة شلل سياسي جعلها عاجزة عن فرض التعيينات أو حماية المواقع أو حتى رفع الصوت. الرئاسة، التي كانت تاريخياً صمّام أمان للمسيحيين داخل الدولة، أصبحت اليوم خارج اللعبة، إمّا بسبب الفراغ، أو بسبب التسويات، أو بسبب غياب الإرادة. ومع غياب الرئاسة، تُفتح الأبواب أمام القوى السياسية الأقوى لتملأ الفراغ كما تشاء.

أما الحكومة، فبدل أن تكون سلطة تنفيذية تعمل وفق الدستور، تحوّلت إلى ساحة محاصصة تُدار بمنطق «من يملك القوة يملك القرار». رئيس الحكومة، مهما كانت خلفيته، يجد نفسه محكوماً بتوازنات سياسية تجعل أي تعيين مرتبطاً بموافقة القوى النافذة، لا بمبدأ الشراكة. وهكذا، تُمرّر التعيينات بالوكالة، وتُجمَّد المراكز، وتُخلق وحدات جديدة تُسحب منها صلاحيات كانت بيد موظفين مسيحيين. الحكومة لا تُخرج المسيحيين مباشرة، لكنها تُشرّع البيئة التي تسمح بذلك.

المرجعيات السياسية المسيحية، من جهتها، تتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية. فهي تتعامل مع كل تعيين على حدة، وكأنه معركة صغيرة، لا جزء من خطة كبيرة. كل فريق يريد حصته، لا حماية الوجود. كل زعيم يريد مركزاً قريباً منه، لا استراتيجية طويلة الأمد. وهكذا، تُدار المعركة بمنطق القطعة، بينما تُدار الخطة المضادة بمنطق المنظومة. القوى المسيحية تتصارع على التفاصيل، بينما تُسحب المواقع من تحت أقدامها بهدوء.

أما الأحزاب غير المسيحية، فهي تستغل الفوضى لتوسيع نفوذها داخل الإدارات، عبر التعيينات بالوكالة، وعبر خلق وحدات جديدة، وعبر نقل الصلاحيات. هذه القوى لا تعمل على إخراج المسيحيين مباشرة، بل على إعادة تشكيل الدولة وفق مصالحها. حين تُصبح الإدارة مساحة نفوذ، لا مساحة دولة، يصبح من الطبيعي أن يُستبدل الموظف المؤهل بموظف تابع، وأن تُسحب المواقع من دون ضجيج.

ويبقى الدور الأكثر حساسية هو دور الكنائس المسيحية. الكنيسة، التي كانت تاريخياً صوتاً صارخاً في الدفاع عن الوجود، تبدو اليوم محاصرة بين رغبتها في عدم الانخراط في السياسة، وبين إدراكها أن الصمت يكلّف المسيحيين وجودهم داخل الدولة. الكنائس تكتفي بالتحذير العام، أو بالبيانات الأخلاقية، لكنها لا تُطلق موقفاً واضحاً يفرض على القيادات السياسية تغيير سلوكها. الصمت الروحي، مهما كانت أسبابه، يتحوّل في لحظة كهذه إلى غطاء غير مقصود لاستمرار المسار. فحين لا تتدخّل الكنيسة، ولا تضغط، ولا تُحرّك الشارع، تُترك الساحة للقوى السياسية التي تُدير الدولة بمنطق النفوذ.

الوثائق التي حصل عليها التحقيق تُظهر أن أكثر من 40% من المواقع المسيحية الفئة الأولى تُدار اليوم بالوكالة، وأن نسبة الشغور في الفئة الثانية والثالثة تجاوزت 60% في بعض الوزارات. في إدارات حساسة مثل المالية والداخلية والاقتصاد، هناك مراكز مسيحية لم يُعيّن فيها أحد منذ أكثر من سبع سنوات. وفي مؤسسات عامة، تمّ نقل صلاحيات كانت بيد موظفين مسيحيين إلى وحدات جديدة تُدار من قبل موظفين محسوبين على قوى سياسية أخرى. هذه الأرقام لا تعكس فقط تراجعاً في الحضور، بل تحوّلاً في بنية الدولة، حيث تُسحب القدرة على المشاركة في القرار، وعلى الرقابة، وعلى التوازن داخل المؤسسات.

التداعيات خطيرة وتتجاوز مسألة الحضور المسيحي لتصل إلى جوهر الدولة. حين يُستبدل الموظف المؤهل بموظف بالوكالة، تُضرب المهنية، وتُفتح الأبواب أمام الفوضى. حين يشعر المواطن المسيحي أنه خارج القرار، والمواطن من الطوائف الأخرى أن الدولة تُدار بمنطق النفوذ، تتراجع الثقة بالدولة. حين تتحوّل الإدارات إلى جزر سياسية، تُضرب وحدة الدولة، وتُصبح مؤسساتها اتحاد مصالح لا مؤسسات عامة. وحين تُفرغ الدولة من شراكتها، تُفرغ من هويتها، وتُصبح قابلة لأي تغيير جذري في بنيتها.

الحضور المسيحي في الدولة لا يُحمى بالشعارات، ولا باستعادة المحاصصة، ولا بالخطابات العاطفية. يُحمى فقط بالقانون، الشفافية، الكفاءة، والمحاسبة. أما الصمت أمام الخلل، فهو ليس حياداً، بل توقيع مجاني على استمرار المسار. وإذا بقيت القيادات المسيحية، السياسية والروحية، تتعامل مع كل تعيين كأنه معركة صغيرة، ستستيقظ بعد سنوات لتكتشف أن المواقع لم تُنتزع دفعة واحدة، بل أُفرغت بهدوء، مركزاً بعد مركز. وعندها لن يكون الخلل في عدد الموظفين فقط، بل في طبيعة الدولة نفسها.

إذا لم تُفتح العيون اليوم، سيُفتح الفراغ غداً. وإذا لم يُرفع الصوت الآن، سيُرفع الغطاء لاحقاً عن دولة لم تعد تشبه نفسها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment