الكنيسة في وجه النار: نداءٌ إنسانيّ صارخ لردّ العدوان وتحرير الجنوب… صوتٌ يتجاوز الحدود ويُعيد للبنان حقّه في الحياة

07/27/2026 - 07:20 AM

San diego

 

 

تجقيق من اعداد الخوري الدكتور نبيل مونس

في لحظةٍ يتداخل فيها الألم مع الرجاء، وتختلط فيها صرخات الناس مع صلوات الكنائس، يعود الدور الروحي والإنساني للمؤسسات الكنسية في لبنان والعالم إلى الواجهة، ليس بوصفه خطابًا دينيًا تقليديًا، بل كصرخة ضمير في وجه آلة الحرب، ونداءٍ أخلاقيّ يطالب بوقف القتل، وردّ العدوان، وتحرير الأرض التي ما زالت تنزف منذ عقود.

فالكنيسة، التي لطالما كانت ملاذًا للضعفاء وبيتًا للسلام، تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية تاريخية: أن تقول الحقيقة، وأن ترفع الصوت حيث يسكت الآخرون، وأن تذكّر العالم بأن الجنوب اللبناني ليس مجرد جغرافيا، بل حياة وكرامة وذاكرة وهوية.

منذ اندلاع الاعتداءات الأخيرة على القرى الجنوبية، لم تقف الكنيسة موقف المتفرّج. في لبنان، كما في أوروبا وأميركا وأستراليا، ارتفعت الصلوات، وتحوّلت القداديس إلى منصّات تضامن، وخرجت بيانات تعبّر عن وجع الناس وتطالب المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته. فالمؤسسات الكنسية، التي تحمل إرثًا طويلًا في الدفاع عن الإنسان، تدرك أن الصمت أمام الظلم هو مشاركة فيه، وأن الحياد أمام القتل ليس خيارًا أخلاقيًا.

في الجنوب، حيث البيوت تُهدم والحقول تُحرق والناس يُهجّرون، كانت الكنيسة حاضرة بين الأهالي، تمدّ يدها وتفتح أبوابها وتجمع ما تستطيع من مساعدات. الكهنة والرهبان والراهبات كانوا في الخطوط الأمامية، يرافقون العائلات، يواسون الأطفال، ويعيدون بناء ما يمكن بناؤه وسط الدمار. هذا الحضور ليس جديدًا، لكنه اليوم يأخذ بعدًا أكبر، لأن حجم الألم أكبر، ولأن العدوان تجاوز حدود الاحتمال.

وفي الخارج، لم يكن الصوت أقلّ قوة. الكنائس اللبنانية المنتشرة في أوروبا وأميركا وكندا وأستراليا تحوّلت إلى منصّات ضغط، تشرح للرأي العام حقيقة ما يجري، وتطالب الحكومات بالتدخّل لوقف القتل، وتذكّر بأن لبنان بلدٌ صغير لكنه يحمل رسالة كبيرة، وأن حماية أرضه ليست مسألة سياسية فحسب، بل واجب إنساني وأخلاقي. فالمطران في باريس، والكاهن في سيدني، والرعية في ديترويت، جميعهم حملوا القضية نفسها: الجنوب ليس ساحة حرب، بل أرض شعب يريد أن يعيش بسلام.

هذا الدور الكنسي يتجاوز حدود التضامن الروحي، ليصبح فعلًا سياسيًا أخلاقيًا، لا ينحاز إلى طرفٍ ضد آخر، بل ينحاز إلى الإنسان، إلى الحياة، إلى الحقّ في أن يعيش الناس دون خوف. فالكنيسة لا تطالب بالحرب، بل تطالب بوقفها. لا تدعو إلى الانتقام، بل إلى العدالة. لا ترفع السلاح، بل ترفع الصوت. لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن الدفاع عن الأرض حقّ مشروع، وأن تحرير المناطق المحتلة واجب وطني لا يمكن التنازل عنه، لأن الأرض ليست ملكًا للسياسة، بل ملكًا للناس الذين عاشوا عليها وحمّلوها ذاكرتهم وعرقهم ودمهم.

وفي بياناتها الأخيرة، شدّدت الكنيسة على أن الجنوب ليس مجرد منطقة حدودية، بل رمزٌ لصمود اللبنانيين، وأن الاعتداء عليه هو اعتداء على كل لبنان. ودعت المجتمع الدولي إلى وقف العدوان فورًا، وإلى حماية المدنيين، وإلى الضغط من أجل انسحاب القوات المحتلة من أي أرض لبنانية، لأن الاحتلال لا يمكن أن يكون حلًا، ولأن السلام الحقيقي لا يُبنى على الخوف، بل على العدالة.

كما حذّرت من أن استمرار القتل سيؤدي إلى كارثة إنسانية، وأن الأطفال الذين يعيشون اليوم تحت القصف سيحملون جروحًا لا تُشفى بسهولة، وأن العائلات التي تهجّرت تحتاج إلى أكثر من مساعدات غذائية؛ تحتاج إلى ضمانة بأن بيوتها ستبقى لها، وأن أرضها لن تُنتزع منها، وأن مستقبلها لن يكون رهينة صراعات الآخرين.

وفي هذا السياق، تؤكد الكنيسة أن رسالتها ليست محصورة بالمؤمنين، بل تشمل كل إنسان، مهما كان انتماؤه أو طائفته أو خلفيته. فالعدوان لا يميّز بين الناس، والقتل لا يسأل عن الهوية، والدم واحد. لذلك، فإن النداء الكنسي موجّه إلى الجميع: إلى اللبنانيين كي يبقوا موحّدين في الدفاع عن أرضهم، وإلى المجتمع الدولي كي يتحمّل مسؤولياته، وإلى القوى الكبرى كي تدرك أن لبنان ليس ورقة تفاوض، بل وطنٌ له حقّ في الحياة.

وتشدّد الكنيسة على أن تحرير الأرض ليس شعارًا، بل حقّ ثابت، وأن الجنوب سيبقى لأهله مهما طال الزمن، وأن العودة إلى القرى المحتلة ليست حلمًا، بل واجبًا وحقًا وضرورة. وتذكّر بأن الشعوب التي تفقد أرضها تفقد جزءًا من روحها، وأن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن الكرامة الإنسانية نفسها.

وفي ختام هذا المشهد، يبقى صوت الكنيسة صوتًا مختلفًا: لا يصرخ بالحرب، بل يصرخ بالحياة. لا يطالب بالدم، بل يطالب بوقفه. لكنه في الوقت نفسه يرفض الاستسلام، ويرفض أن يُترك الجنوب وحيدًا، ويرفض أن يُمحى الحقّ تحت ضغط القوة. فالكنيسة، في لبنان وخارجه، تقول اليوم ما قالته دائمًا: الأرض حقّ، والإنسان كرامة، والعدوان خطيئة، والصمت تواطؤ، والحرية واجب، والسلام لا يُفرض بالقوة بل يُبنى بالعدالة.

هذا هو النداء الذي يخرج من الكنائس اليوم... نداءٌ إنسانيّ، حادّ، صادق، يتجاوز الطوائف والحدود، ويعيد للبنان حقّه في الحياة، وللجنوب حقّه في التحرير، وللناس حقّهم في أن يعيشوا دون خوف.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment