لقاء... لم يكن

07/27/2026 - 06:53 AM

Jonathan Amireh

 

 

 رشيد ج. مينا

شاهدته من بعيد يجلس خلف الزجاج. توقفت لوهلة، ثم قلت في نفسي: أهو صديقي القديم؟ هل عاد من الغربة بعد كل هذه السنوات؟ أسرعت نحو المكان.

كان مقهى بسيطًا، يبدو عليه قدم البناء، وكأن جدرانه تختزن عبق تاريخ طويل، وشهد على وجوه مرت من هنا، وعلى أحاديث وحكايات وأحداث طواها الزمن. اقتربت من الطاولة التي يجلس إليها. كان يحمل فنجان قهوة، شارد الذهن، وعيناه معلقتان في الأفق، كأنهما تبحثان عن شيء ضاع منذ زمن.

ألقيت السلام. لم ينتبه. أعدت السلام مرة ثانية. رفع رأسه فجأة، ونظر إليّ بدهشة، ثم نهض مسرعًا.

ـ أهذا أنت يا صديقي؟ تعانقنا طويلًا، كأننا نحاول تعويض سنوات الغياب.

قلت له: متى عدت؟ ولماذا لم تخبرني؟ وما هذه الهموم التي أراها في عينيك؟ وبماذا تفكر؟

ابتسم بهدوئه المعهود وقال: مهلًا يا صديقي... أسئلتك كثيرة، وكل سؤال منها يحتاج إلى حديث طويل. دعنا منّي الآن، وأخبرني عنك. كيف حالك؟ وكيف أصبحت أحوال البلد؟ وأضاف وهو يقلب فنجان القهوة بين يديه: في الغربة قلّما أتابع تفاصيل ما يجري، لكن قلبي لم يغادر هذا الوطن يومًا. وما زلت أخشى عليه كما كنت أخشى عليه يوم غادرته.

قلت له: وهل كانت الغربة تستحق كل هذا؟

تنهد طويلًا ثم قال: لم أغادر بحثًا عن المال وحده، ولا طمعًا في رفاهية الحياة، بل لأنني شعرت أن الكرامة أصبحت أثمن ما يمكن أن يخسره الإنسان في وطنه.

في بلادنا، لم يكن التعب وحده هو الثمن، بل الذل أيضًا. كل شيء يحتاج إلى واسطة أو إذلال أو تنازل، ونحن، كما تعلم، تربينا على العزة والكرامة، وعلى حب الحرية، ونصرة البسطاء، وكانت أحلامنا أكبر من أن تتسع لها أرض ضاقت بأبنائها.

ساد الصمت بيننا. ثم قال: أتعلم ما يؤلمني؟ ليس أنني غادرت، بل أنني أخشى العودة إلى وطن لم يعد يشبه الوطن الذي غادرته.

هممت أن أجيبه... وفجأة... التفت حولي... لم أجد أحدًا.

لا صديقًا... ولا طاولة... ولا فنجان قهوة... ولا حتى ذلك المقهى.

كنت أنا وحدي. أنا من كان في الغربة. وأنا من عاد. وأنا من كان يحدث نفسه. ربما كان هذيان الحنين... وربما كانت أمنية لقاء لم يتحقق. عدت، فإذا بكل شيء قد تغير... ولكن إلى الأسوأ. لا الإنسان هو الإنسان. ولا الأخلاق كما كانت. ولا الدولة دولة.

ولا الخدمات خدمات. والصراع ما زال يدور بين مشروع الدولة ومشروع الدويلة، بينما ينشغل كثيرون بقضايا هامشية، ويغيب السؤال الأكبر: كيف نبني وطنًا يليق بأبنائه؟ حتى الحب أصابه التشوه. والأسرة أصابها التفكك. والابتذال أصبح مشهدًا يوميًا.

والحيرة سيدة الموقف. والضياع بات بوصلة كثيرين. ما هذا الذي وصلنا إليه؟

إن هذا الواقع، من دون أدنى شك، يحتاج إلى ثورة...

لكنها ليست ثورة سلاح... ولا ثورة شعارات... ولا ثورة انتقام... ولا حتى ثورة مطالب فئوية.

إنه يحتاج إلى ثورة وعي. ثورة لا تهدم الوطن، بل تعيد بناءه. لا تواجه أبناءه، بل تجمعهم. ولا تستبدل وصاية بوصاية، بل تحرر القرار الوطني. ثورة تبني دولة على أنقاض الدويلات...

دولة السيادة والحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة... دولة القانون... دولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات... ويرفعون علمًا واحدًا... ويحتكمون إلى دستور واحد، قابل للتطوير بما يخدم وحدة اللبنانيين ومستقبلهم...

حتى يعود الوطن وطنًا... ويعود الإنسان إنسانًا... ويجد الشباب في بلادهم ما يغنيهم عن الغربة، وما يجعل لقاءاتهم حقيقة لا أوهامًا، وواقعًا لا أحلامًا.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment