سباق الوقت واختبار الردع بين أيران وواشنطن

07/24/2026 - 21:03 PM

San diego

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

زار الرئيس الأميركي دونالد ترامب السعودية في ولايته الأولى، واتفق مع السعودية للقضاء على الإرهاب الذي يعيق أي مشروع اقتصادي، وفي ولايته الثانية زار السعودية وقطر والإمارات من أجل تفعيل الممر الاقتصادي بين الهند ودول الخليج ودول الشرق الأوسط وأوروبا، وتتمثل العقبة الإقليمية الأساسية التي تواجهه في إيران وأذرعها الميليشياوية في المنطقة.

يهدف هذا الممر إلى إنشاء شبكات سكك حديدية وموانئ وكابلات بيانات لتسريع نقل البضائع وتقليل التكاليف مما يعزز النفوذ الأمريكي في قلب مبادرة الحزام والطريق الصيني، لكن تمثل إيران تهديدا استراتيجيا لمسار هذا المشروع، تسعى إيران لتعطيل خطوط الإمداد والملاحة البحرية لضرب المصالح الاقتصادية لدول المنطقة والغرب، مستخدمة في ذلك أذرعها العسكرية مثل المليشيات الحوثية في اليمن عبر التهديد بقطع الملاحة في مضيق باب المندب بالإضافة إلى الفصائل الأخرى ممثلة في حزب الله في لبنان والفصائل التابعة للحرس الثوري في العراق.

 في ظل هذه التحديات استطاعت السعودية في عهد بايدن من ان توازن بين حماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، تواصل الاستفادة الاقتصادية وتطوير التعاون مع الصين عبر تكامل مبادرة الحزام والطريق مع مشاريع رؤية السعودية 2030 مع دعمها في الوقت نفسه للممر الاقتصادي الجديد مع شركائها الغربيين والآسيويين، اتجهت في نفس الوقت إلى توقيع تهدئة بينها وبين طهران برعاية بكين في مارس 2023.

لكن ترمب بعد زيارته في الولاية الثانية للسعودية في زمن الحسابات الصعبة وجد السعودية قد عززت من علاقاتها مع الصين وروسيا، واستأنفت العلاقات مع إيران برعاية بكين، فيما كانت زيارته الأولى التقى بقادة الدول العربية والإسلامية معتبرا السعودية مدخلا للعلاقة مع العالمين العربي والإسلامي، ودشن مركز اعتدال لمكافحة التطرف، وفي خطابة في زيارته الثانية للرياض ذكر ترمب إيران 11 مرة، وسياسة الضغط التي تبنتها إدارته في زيارته الأولى لم تثمر في ردع إيران أو وقف تدخلاتها، وجد ان تطبيق عقوبات سناب باك صعب العودة إليه، ويحتم عليه التفاوض على اتفاق جديد، في ضوء هذا التحدي رأى ترمب أن البديل قصف إيران في حال رفضت إيران عرضه بالتفاوض على اتفاق جديد من شانه إيقاف برنامجها النووي، وهو ما رفضته إيران رسميا بعدما أرسل رسالة سرية إلى المرشد علي خامنئ.

لذلك لجأ ترمب إلى استخدام القوة العسكرية مع إيران مثلما تم استخدامها مع حماس في غزة لإجبار إيران على تغيير سياساتها مشددا على تحديد موعد نهائي لأي مسار دبلوماسي يؤدي إلى تفكيك برنامج إيران النووي بالكامل باعتباره مطلبا أمريكيا ثابتا، فيما إيران لا زالت تتحدث بلغة الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما.

عودة العلاقات السعودية الإيرانية برعاية بكين في مارس 2023 عقد موقف ترمب المناهض لإيران بعدما بنى جبهة في 2017 بقيادة سعودية ضد إيران، فيما حاليا تعطي السعودية أولوية للاستقرار في المنطقة، رغم ذلك اعطى ترمب أولوية لنفوذ السعودية على طهران وقدرتها في التأثير على طهران بعيدا عن موقف إسرائيل الصفري التصعيدي التي تحرض ترمب على تبني رؤية عسكرية لتدمير البرنامج النووي، لكن في المقابل السعودية تسعى نحو تحجيم البرنامج.

 أمريكا وفق عقيدتها لا تقبل الهزيمة تاريخيا،  سبق أن هدد الرئيس أيزنهاور في 1953 باستخدام الأسلحة النووية ضد الصين وكوريا الشمالية لكسر الجمود في مفاوضات الهدنة، اجبر الأطراف الشيوعية التوقيع على هدنة في 27 يوليو 1953، وسبق أن أراد جوزيف ستالين بعد الحرب العالمية الثانية إلى تدمير القدرات الصناعية الألمانية من أجل منع ألمانيا من إعادة تسليح نفسها مرة أخرى.

لكن الرئيس هاري ترومان رفض ذلك لأنه يدرك ان ستالين هدفه ضم أوروبا الشرقية، وبعد فشل غزو خليج الخنازير 1961 لجأ فيدل كاسترو إلى الاتحاد السوفيتي، فوضع خروتشوف صواريخ في كوبا،  فقام كيندي بمحاصرة جزيرة كوبا إلى أن تم تفكيك خروتشوف الصواريخ، مقابل تفكيك كندي الصواريخ في تركيا إلى أن تم الاتفاق بين الجانبين في 1969 للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية انتهت المحادثات في 1979، رغم ذلك استمر سباق التسلح، وأعلن ريجان عام 1983 عن برنامج نظام الدفاع الصاروخي حرب النجوم في جميع انحاء العالم، وفي 1987 اتفق جورباتشوف وريجان على القضاء على جميع الصواريخ المتوسطة المدى البرية، وفي 1989 سقط جدار برلين.

لن تعد المواجهة بين واشنطن وطهران تقاس بعدد الضربات أو بعدد الأهداف بل قدرة كل طرف على إدارة المعركة باستنزاف كل طرف الآخر، رغم ذلك هي معركة صفرية غير متكافئة ليست في صالح إيران، فواشنطن تعيد صياغة أدوات الردع الفتاكة بدلا من التكتيكية لشل قدرات إيران بأقل التكاليف امتدادا لحروب الجيل السادس من خلال استخدام زوارق غير مأهولة ومسيرات وصواريخ دقيقة لرفع الكفاءة وخفض حجم الاستهلاك، يسمى بعقلنة الاستهداف عبر استخدام وسائل أرخص وأكثر دقة ضمن منظومة استهداف متكاملة تختبر قدرة الردع عبر استنزاف محسوب التكلفة، للحفاظ على المخزون الاستراتيجي.

 بينما طهران تراهن على الوقت لإفشال الضغوط العسكرية والاقتصادية وإبقاء باب التفاوض مفتوحا، تخطئ طهران إذا راهنت على استخدام أوراق إقليمية كضرب الكويت والبحرين والأردن من أجل أن تضغط هذه الدول على واشنطن لوقف استهدافها، او إطالة أمد الصراع لمنع واشنطن من تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية أو تفاوضية، والضغط الإيراني المرتفع لا يدل على أنها تكسب أوراق جديدة، ولا يعني عدم رد دول مجلس التعاون والأردن ضعفا، خصوصا وأن الصين وروسيا لن تستطيع تقديم لها أي دعم سوى دعمها في مجلس الأمن، ما تفعله إيران انكشاف واضح.

اتجهت طهران إلى حلفائها الحوثيين إلى استخدام ورقة باب المندب كعقدة استراتيجية وورقة ضغط في حرب الممرات في أعقاب التهديدات الأمريكية باستهداف البنية التحتية للطاقة داخل إيران، الذي يعتبر الشريان التاجي والشريان الأظهر في الاقتصاد العالمي، لتعطيل إمداد الطاقة العالمية وشل التجارة لرفع كلفة أي مواجهة، ولا يمتلك الحوثي القدرات على غلق المضيق بسبب انه لا يتحكم في المضيق، ولا يشرف عليه، لكنه قادر على تهديد السفن لرفع تكلفة التأمين، وتجنب السفن فيعطل حركة التجارة العالمية.

 ومنذ 28 فبراير 2026 تم إقناع الحوثي بعدم المشاركة، وفي حرب غزة في 2023 عندما منع الحوثي مرور السفن التي تذهب لإسرائيل حتى يتم وقف حرب الإبادة التي قامت بها إسرائيل، فكانت السفن الإيرانية تمده بمعلومات استخباراتية، لكنها الان منهارة وغير قادرة على مده باي معلومات، وكذلك الحوثي قواه العسكرية منهارة بعد ضربات أمريكا وإسرائيل، لكنه قادر على التهديد بالقوة النارية.

تهدف الاستراتيجية الأمريكية إلى تحقيق شلل قدرات إيران من استهداف الملاحة في مضيق هرمز، ومن ثم عزل قدرة إيران على الرد الصاروخي، حتى تتحقق أهداف واشنطن الاستراتيجية، بعدما استدرجت واشنطن طهران إلى فخاخ عديدة وطعم بلعته طهران، كما صرح قاليباف من أن البند الخامس من مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين تمنح إيران حق تحديد ترتيبات العبور في مضيق هرمز، فاصطدمت بدول الخليج عندما رفضت السفينتين السعودية والقطرية الانحراف إلى الجانب الإيراني لأخذ الإذن، فتم قصفها فتم رد واشنطن ب140 ضربة مركزة، وبدأت طهران تطلب من الحوثي يهدد ممر باب المندب اصطدم بالسعودية التي لن تقبل بتهديد امن مضيق باب المندب.

كذلك أكدت طهران ربط المفاوضات بورقة لبنان، لكنها فوجئت أن الحكومة اللبنانية توقع اتفاق إطار عمل وترتيبات أمنية مع إسرائيل في واشنطن، وزار الرئيس عون واشنطن وتعهد بحصر سلاح حزب الله، فخسرت طهران الأوراق التي تتفاوض بها خصوصا بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن وعقد اتفاقيات مع شركات أميركية لشراء الغاز بدلا من الغاز الإيراني، بذلك يكون العراق قد تخلص من التبعية لطهران.

تأتي زيارة وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني برفقة وزير خارجية إيران عباس عراقجي إلى باكستان ومقابلة عاصم منير قائد الجيش علامة بارزة على أن إيران تسعى إلى عودة المفاوضات، امتدادا لضغوط دول المنطقة لتنفيذ هدنة مؤقتة تتجنب التورط في حرب برية شاملة، لأن هناك تقارير صادرة من البنتاغون تدرس إمكانية القيام بعمليات برية محدودة، والسيطرة على جزيرة قشم مركز الصناعة النفطية في طهران.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

                       [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment