زيارة رئاسية بهدوء الدولة… لا بصخب التمثيل

07/24/2026 - 21:41 PM

San diego

 


الاعلامي كريم حداد

في لحظة سياسية بالغة الحساسية، اختار رئيس الجمهورية اللبنانية أن يقود زيارته إلى واشنطن بمفرده، من دون أي حضور وزاري. قرارٌ أثار موجة واسعة من التعليقات والانتقادات، بعضها صادر عن شخصيات لبنانية مقيمة في الولايات المتحدة منذ عقود، وبعضها الآخر من مسؤولين اعتادوا بدورهم القيام بزيارات منفردة إلى الدوائر الأميركية. غير أن ما غاب عن كثيرين هو جوهر الرسالة التي دأبت الإدارة الأميركية على تكرارها لسنوات: لبنان لا يُسمَع ولا يُساعَد ما لم يقدّم موقفاً موحّداً. وهذا تحديداً ما فعله رئيس الجمهورية.

إن قرار الرئيس بعدم اصطحاب أي وزير إلى البيت الأبيض ليس ضعفاً ولا تفريطاً، بل خيار سيادي سليم وقوي. فالعلاقات مع الولايات المتحدة تُدار على مستوى رأس الدولة، لا على مستوى التمثيل الوزاري الداخلي. وجود أي وزير كان سيحوّل اللقاء فوراً إلى مادة قراءة سياسية محلية، ويُستغل في السجالات الداخلية بدلاً من أن يبقى محصوراً في المصلحة الوطنية العليا. البيت الأبيض ليس منصة لتوزيع الأدوار أو لتأكيد التوازنات اللبنانية، وأي حضور وزاري كان سيُفهم على أنه تمثيل لفريق معين، ويُستخدم لاحقاً في الضغط أو المزايدة، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى أن يظهر موحّداً وهادئاً أمام الخارج.

الزيارة الرئاسية المنفردة تحمي الموقف اللبناني من أن يُختزل في الحسابات الداخلية، وتؤكد أن السياسة الخارجية تُصاغ من موقع الرئاسة لا من مواقع التنافس. هذا ليس انعزالاً ولا استعراضاً، بل حرص على ألا تتحول الزيارة إلى أداة شعبوية أو ورقة في الصراع الداخلي.

المفارقة أن بعض الأصوات التي تنتقد اليوم القرار الرئاسي هي نفسها التي أمضت عقوداً في الولايات المتحدة وتعرف جيداً كيف تُدار السياسة الأميركية تجاه لبنان، وهي نفسها التي كانت تسمع مراراً أن واشنطن تنتظر موقفاً لبنانياً موحّداً قبل أن تتمكن من تقديم أي دعم جدي. كذلك فعل مسؤولون لبنانيون كثيرون حين زاروا الدوائر الأميركية بشكل منفرد خلال السنوات الماضية؛ كانوا يُبلَّغون دائماً بالحاجة إلى تماسك داخلي. واليوم، حين تجسّد هذا التماسك في زيارة رئاسية خالصة، تحوّل الأمر فجأة إلى موضع انتقاد.

في مرحلة دقيقة كهذه، القرار الصائب هو أن يبقى اللقاء محصوراً في أعلى مستوى سيادي، بعيداً عن أي تفسير فئوي أو محاولة لتحويله إلى غطاء لمواقف داخلية. هذا هو السلوك الذي يحفظ هيبة الدولة ويمنع استغلال الخارج في معارك الداخل. فالقوة في السياسة الخارجية لا تُقاس بعدد الوزراء المرافقين، بل بقدرة الدولة على تقديم نفسها ككيان واحد.

في النهاية، القرار الرئاسي كان استجابة مباشرة لما طالبت به الإدارة الأميركية مراراً: موقف موحّد. وهذا ما قُدِّم. أما من يرى في ذلك ضعفاً، فربما يحتاج إلى إعادة قراءة ما كانت تقوله واشنطن منذ زمن طويل.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment