جمال دملج *
عندما يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في واشنطن الأسبوع المقبل، لن يكون اللقاء مجرد محطة جديدة في مسار الحرب الروسية – الأوكرانية، بل سيكون اختبارًا سياسيًا جديدًا لمعرفة ما إذا كانت الحرب التي أوشكت على إتمام عامها الخامس قد بلغت أخيرًا اللحظة التي يصبح فيها السلام أقل كلفة من استمرار القتال.
فالمبادرة الأميركية الجديدة، التي تتحدث عن وقف لإطلاق النار في الأجواء تمهيدًا لاستئناف المسار التفاوضي، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن أي طرف لم يعد قادرًا على تحقيق نصر حاسم يعيد رسم خريطة أوروبا كما كان يتصور عند اندلاع الحرب في الرابع والعشرين من فبراير/شباط 2022. غير أن فهم ما يجري اليوم يقتضي العودة إلى ما قبل عام 2022، لأن هذه الحرب لم تكن بداية الأزمة، بل كانت ذروتها.
من الثورة البرتقالية إلى ميدان الاستقلال
بدأ الشرخ بين موسكو وكييف يتسع منذ "الثورة البرتقالية" عام 2004، عندما انقسمت أوكرانيا سياسيًا بين توجه يرى مستقبلها في الاندماج مع الغرب، وآخر يعتبر أن روابطها التاريخية والجغرافية مع روسيا ينبغي أن تبقى أساس سياستها الخارجية.
ولم يكن ذلك الانقسام كافيًا لإشعال الحرب، لكنه أسس لمرحلة طويلة من انعدام الثقة بين الطرفين.
ثم جاءت احتجاجات "ميدان الاستقلال"، التي انتهت بإسقاط الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، لتدخل العلاقات الروسية – الأوكرانية منعطفًا أكثر حدة، سرعان ما أعقبه ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، قبل أن تتحول الأزمة لاحقًا إلى أكبر مواجهة عسكرية تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
فرصة ضائعة
وسط ذلك التصعيد، برز صوت مختلف. ففي عام 2014، نشر وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر مقالًا في "ناشيونال إنترست" دعا فيه إلى مقاربة مختلفة للأزمة الأوكرانية، معتبرًا أن الاستقرار الأوروبي لا يتحقق عبر تحويل أوكرانيا إلى ساحة مواجهة دائمة بين روسيا والغرب، بل عبر دمجها في منظومة الأمن الأوروبي والدولي، بحيث تصبح جسرًا للتواصل بين الطرفين، لا نقطة تماس بينهما.
لم يكن الراحل كيسنجر يدافع عن موسكو، كما لم يكن ينتقد حق أوكرانيا في اختيار مستقبلها، بل كان يحذر من أن غياب التوازن سيقود الجميع إلى مواجهة طويلة لن يخرج منها أحد منتصرًا.
لكن تلك الرؤية لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وبعد أقل من ثماني سنوات، اندلعت الحرب التي حذر منها.
الحرب غيّرت الجميع
بعد أكثر من أربع سنوات من القتال، لم تعد الحرب كما بدأت. روسيا دفعت أثمانًا اقتصادية وسياسية وعسكرية كبيرة. وأوكرانيا تحملت خسائر بشرية ومادية هائلة. أما أوروبا، فقد أعادت النظر في مفهومها للأمن الجماعي، بينما وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حرب طويلة استنزفت مواردها وفرضت عليها إعادة ترتيب أولوياتها الدولية.
وفي المقابل، لم يعد الحديث يدور عن انتصار عسكري كامل، بقدر ما أصبح يدور حول كيفية بناء تسوية توقف النزيف. ومن هنا تكتسب زيارة زيلينسكي إلى واشنطن أهميتها.
اختبار للسلام
اللقاء المرتقب بين ترامب وزيلينسكي لا يعني أن السلام بات قريبًا. لكنه يعكس تغيرًا في طبيعة النقاش. فالحديث اليوم يتمحور حول مبادرات لوقف إطلاق النار، وآليات تفاوض جديدة، وإمكان عرض مقترحات على موسكو، في مؤشر إلى أن العمل السياسي عاد يحتل مساحة أوسع مما كان عليه خلال السنوات الأولى للحرب.
ويبقى السؤال الأساسي: هل ترى موسكو في هذه المبادرات فرصة حقيقية، أم مجرد محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى؟
الإجابة لا تزال رهن التطورات المقبلة.
هل يعود الجسر؟
قد يكون أصعب ما في الحروب أنها لا تكتفي بتدمير المدن، بل تهدم أيضًا الثقة التي يحتاج إليها السلام. ولهذا، فإن إنهاء الحرب لن يكون مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، بل سيكون اختبارًا لقدرة أوروبا كلها على بناء نظام أمني جديد يمنع تكرار المأساة.
وربما تبدو كلمات الراحل هنري كيسنجر، بعد أكثر من عقد على كتابتها، أكثر راهنية اليوم مما كانت عليه آنذاك. فالرجل لم يدعُ إلى انتصار روسيا على الغرب، ولا إلى انتصار الغرب على روسيا، بل إلى قيام توازن يجعل من أوكرانيا جسرًا بين الطرفين، لا ساحةً لحروبهما.
واليوم، وبعد سنوات من الدمار والدماء، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل ما زالت أوكرانيا قادرة على أن تصبح ذلك الجسر؟ أم أن الحرب جعلت استعادة هذا الدور أصعب بكثير من إيقاف القتال نفسه؟
* إعلامي وكاتب لبناني










07/24/2026 - 20:54 PM





Comments