رئيس أساقفة سوري من قلب المحنة: "لا تعودوا الآن... سوريا تذبح أبناءها

07/24/2026 - 06:17 AM

Your Ad Here

 

خبر صحافي بصياغة الاب ألبر حبيب عسّاف
 

في تقرير لوكالة الصحافة الكاثوليكية في فيينا، وقف المطران مار يوليان جاك مراد، رئيس أساقفة مدينة حمص السورية للسريان الكاثوليك، أمام الصحافة بوجهٍ نحيلٍ حفرت فيه سنوات الأسر والمنفى، لكن بعينين لا تزالان تنظران إلى سوريا كما ينظر المرء إلى "أمٍ تنزف ولا أحد يضمد جراحها". وبصراحة راهبٍ عرف الأسر، وبحكمة رجل دين عاش بين الناس، قالها بوضوح لا يحتمل التأويل: "أنصح حالياً بعدم العودة إلى سوريا".

من نشوة 8 كانون الأول إلى خيبة الدم. يستعيد المطران مراد، 58 عاماً، ليلة سقوط بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024. "احتفل الناس. ظننا أننا حصلنا أخيراً على الحرية. وفي تلك الليلة نمت لأول مرة بعمق". لكن النشوة لم تدم. بعد شهرين فقط اندلعت في حمص أولى هجمات الميليشيات الإسلامية على العلويين.

"أدركت في تلك اللحظة أننا لا نزال لا نملك الحرية. وبدأ كفاحي من أجلها من جديد". هنا يتقاطع صوت مراد مع صوت الضمير: الفراغ السياسي لا يولّد حرية، بل يولّد فوضى تملأها الميليشيات. والسلطة الجديدة التي تسلمت الحكم منذ نهاية 2024، برأيه، لم تقدم مشروع دولة، بل قدمت إدارة عنف.

 إبادة ناعمة للمسيحيين

الرقم الذي نطق به يوجع: من مليوني مسيحي، لم يبقَ اليوم سوى 300 إلى 350 ألفاً.  "إذا استمر الوضع على هذا النحو، فستنقرض المسيحية في هذه المنطقة". وهذا ما كنا نسميه دائماً: "النزيف الصامت". ليس تهجيراً بقرار، بل خنقاً يومياً بالفقر والخوف وغياب الأفق.  يتحدث مراد عن أم وطفليها قتلوا قبل أيام، عن سلاح منتشر، عن جماعات سنية متطرفة تجد في تهمة "التعاون مع النظام" ذريعة لتصفية العلويين والدروز، ويقول بمرارة: "هؤلاء المتطرفون يكرهون العلويين والدروز أكثر مما يكرهون المسيحيين".

وفي تقييم سياسي-لاهوتي، المشهد واضح: الدولة إما عاجزة أو غير راغبة. والبرلمان الجديد فيه 6 مسيحيين فقط و5 نساء، وغالبية إسلامية أصولية قادمة من إدلب. هذه ليست دولة تعددية، هذه دولة تُعاد صياغتها بهوية واحدة.

يبدو المجتمع الدولي في غياب وتواطؤ. لم يوفر مراد أحداً من النقد. سمّى الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي بالاسم. "لا أحد مهتماً فعلاً بإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط". وهنا يلتقي مع قراءة أحد المفكرين للشرق الأوسط كساحة مصالح تُترك شعوبها تدفع الثمن. و حين يغيب الضمير الدولي، يتحول الصمت إلى شراكة في الجريمة.

ناشد المطران مراد المجتمع الدولي بمشاريع ملموسة: مدارس، عمل، إعادة إعمار. "مستقبل البلاد في التعليم". لكنه يعرف أن النداءات وحدها لا تكفي حين تتحول سوريا إلى سوق مفتوح للسلاح والفقر.

تلفت نظرنا شهادته، فمن الأسر إلى الأسقفية. فلا تبدو قصة مراد جديدة على الإعلام. اختطف عام 2015 من دير مار إليان على يد داعش، وبقي رهينة أشهراً. كانوا يقولون له: "اعتنق الإسلام وإلا نقطع رأسك".

كان يرد بالصلاة: "كلما خفت صليت الوردية فيتحول الخوف إلى شجاعة".

فرّ بمساعدة مسلم، ودفع مساعدوه حياتهم ثمناً لذلك.

اليوم هو أسقف، وابن جماعة دير مار موسى التي جعلت من "الحوار والعيش المشترك" رسالتها. فما المطلوب إذاً اليوم؟ مساحات لقاء لا شعارات...

لا يريد مراد خطاباً وعظياً. يريد أفعالاً.  "نحتاج إلى مساحات لقاء تتجاوز الحدود الطائفية والدينية، حتى يصبح العيش المشترك ممكناً من جديد". ويراهن على الشباب. أشاد بمبادرات "برو أورينتي" فيينا، وكشف عن نية لتنظيم ورش شبابية في حمص.

إن كلام المطران مراد ليس تشاؤماً، بل تشخيصاً من الداخل. هو صوت من بقي في الأرض ليرى ويسمع. تحذيره من العودة اليوم ليس هروباً من المسؤولية، بل حماية للحياة. فلا وطن يُبنى على جثث، ولا كرامة تُبنى في ظل ميليشيات واقتصاد منهار.

سوريا اليوم أمام خيارين: إما أن تعود دولة مواطنة تحترم التعدد، أو أن تكمل انحدارها نحو دولة طائفية تطرد ما تبقى من أبنائها. وما بين الخيارين، يقف مسيحيو سوريا ومعهم كل الأقليات، ينتظرون لا وعوداً، بل إشارات حياة. وكما قال مراد في ختام لقائه: "جوهر الرسالة اليوم هو أن نرى الناس، ونستمع إليهم، ونعمل معهم من أجل المستقبل".

فهل يسمع أحد؟.

من هو المطران مار يوليان جاك مراد

وُلد في حلب – سوريا في 28 حزيران 1968، لوالديه المرحومين إدوار مراد وإميلدا حصروني، وهو البكر بين خمسة أولاد، ومن بينهم شقيقته فيكتوريا، راهبة من راهبات القلبين الأقدسين. تلقّى دراسته في مدرسة الصداقة ثمّ مدرسة الإيمان في حلب، قبل أن يدخل الإكليريكية الكبرى في دير سيّدة النجاة – الشرفة عام 1986 مرسلاً من المطران مار ديونوسيوس فيليب بيلونه، وينال الإجازة في الفلسفة واللاهوت من جامعة الروح القدس – الكسليك عام 1991.

خلال سنوات الدراسة شارك في أعمال ترميم دير مار موسى الحبشي في النبك إلى جانب الأب باولو دالوليو، وبعد خلوة روحية عام 1989 اختار الحياة الرهبانية، فانتقل إلى أبرشية حمص وحماه والنبك حيث استقبله المطران مار إيوانيس يوحنّا ضاحي. سيم شمّاساً إنجيلياً في 2 حزيران 1991 على يد البطريرك مار اغناطيوس أنطون الثاني حايك، ثمّ شارك الأب باولو في إعادة تأسيس الحياة الرهبانية في دير مار موسى، ليكون أول راهب يعيد إحياء هذا التراث السرياني العريق. وفي 20 تموز 1993 كرّس نفسه لله في الحياة الرهبانية، وسيم كاهناً في 28 آب 1993 على يد المطران مار ربولا أنطوان بيلوني في حلب، وتولّى خدمة جوقات أبرشية حمص.

عام 1996 عاد إلى لبنان للتخصص في الليتورجيا في الكسليك، متنقلاً بين الجامعة ودير مار موسى حتى 1999. وفي عام 2000 عيّنه المطران مار ثيوفيلوس جرجس كسّاب كاهناً لرعية مار اليان في القريتين، حيث أعاد تأهيل دير مار اليان الشيخ وفتح أبوابه للزوّار والحجّاج وطالبي الصلاة.

عام 2015 اختُطف من قبل تنظيم داعش لمدة خمسة أشهر قبل أن يتمكن من الهرب بمساعدة صديق مسلم. وفي 2016 انتقل إلى دير مريم العذراء في السليمانية – كوردستان العراق لخدمة النازحين المسيحيين من قره قوش، ثمّ تنقّل بين أوروبا والسليمانية بين 2016 و2020 لإلقاء شهادات حول الحياة الرهبانية وأوضاع المسيحيين وخبرة الأسر. وفي عام 2020 عاد إلى دير مار موسى الحبشي حيث يقيم حتى اليوم.

أصدر كتاباً بالفرنسية بعنوان “راهب في الأسر” عام 2018، وله مقالات عديدة في صحف ومجلات محلية وعالمية. عيّنه البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان عضواً في اللجنة الليتورجية البطريركية. يتقن السريانية والعربية والفرنسية والإيطالية والإنكليزية.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment