في ذكرى ميلاده الـ 85... بيروت تايمز تحتفي وتكرّم الدكتور فيليب سالم ومسيرته العلمية والإنسانية

07/23/2026 - 12:45 PM

Arab American Target

 

 

من بيروت إلى العالم... طبيبٌ جعل من الرحمة علماً ومن العلم نهراً لا ينضب

 

بقلم منى إبراهيم منصور

في زمنٍ تتكسّر فيه المرايا وتضيع فيه البوصلة، يبقى بعض الرجال كنجومٍ لا تخفت، تُرى من كل الجهات، ويهتدي بها كل من ضلّ الطريق. رجالٌ لا يُقاس عمرهم بالسنوات، بل بما تركوه من دفءٍ في القلوب، ونورٍ في الدروب، وطبقاتٍ من الخير تتراكم كندى الصباح فوق أرواح الناس.

واليوم، في عيد ميلاد الدكتور فيليب سالم الخامس والثمانين، لا نحتفل بمرور الوقت، بل بمرور الرحمة في هيئة إنسانٍ اختار أن يكون جسراً بين الألم والشفاء.

لم يكن الدكتور سالم طبيباً فحسب؛ كان فكرة عملاقة تمشي على الأرض، ورؤيةً تتنفس، ورسالةً تتجسّد في كل خطوة. فكرة تقول إن المريض ليس جسداً متعباً، بل روحٌ تبحث عن يدٍ تربّت عليها قبل أن تبحث عن دواء. من هيوستن إلى بيروت، نسج مدرسته الخاصة، مدرسة الطب الإنساني، وجعل من الرحمة منهجاً، ومن الإصغاء علاجاً، ومن الأمل شريكاً في كل وصفة، حتى صار اسمه مرادفاً لطبٍّ يشبه الصلاة.

الطبيب الذي داوى المرضى من كل قلبه وعقله

يعرفه العالم عالِماً يطارد السرطان في المختبرات والمستشفيات ومركزه الطبي الخاص بأمراض السرطان، ويكتب أبحاثاً تُغيّر وجه الطب. أمّا نحن، فنعرفه على نحوٍ آخر، كان يحارب السرطان في المختبر، ويحارب اليأس في البيوت، ويحارب العجز في العيون التي فقدت بريقها، وهذه بطولة لا تُمنح في المؤتمرات، بل تُمنح في دعاء أمٍّ سهرت قرب سرير ابنها، وفي دمعة فرحٍ تعود إلى عينٍ كانت قد يئست من الضوء، وفي ابتسامة مريضٍ عاد إلى الحياة كأنما وُلد من جديد.

عودة الوفيّ إلى حضن الوطن

وفي السنوات الأخيرة، عاد هذا الطائر المهاجر إلى عشه الأول. عاد لا كزائرٍ يمرّ، بل كنبضٍ يعود إلى قلبه، عاد بكتابه الجديد الذي يشبه وصيّة حكيم، وبمحاضراته التي تشعل في طلاب الطب شغفاً يشبه النار الأولى، وبزياراته التي تزرع الأمل في أجنحة المرضى كأنها ربيعٌ يدخل المستشفى.

شهدت مدينة بيروت خلال شهر تموز - يوليو الحالي سلسلة نشاطات بارزة للدكتور فيليب سالم، الطبيب والباحث اللبناني العالمي، الذي عاد إلى وطنه ليطلق مبادرات ثقافية وسياسية جديدة تحمل بصمته الفكرية والإنسانية.

افتتاح أكاديمية فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية

في احتفالٍ حضره أكاديميون وشخصيات ثقافية، افتُتِحت على حرم الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت أكاديمية فيليب سالم للتراث اللبناني، وهي مؤسسة جديدة تهدف إلى حفظ التراث اللبناني ودعم الأبحاث والدراسات التي تعزّز الهوية الوطنية. وقد قدّم الدكتور سالم خلال الحفل أول جائزة الأكاديمية تكريماً لإنجازات في مجال التراث، كما شارك في جولة داخل مرافق الأكاديمية ووقّع نسخاً من كتبه إلى جانب عدد من الأدباء والباحثين.

إطلاق مركز فيليب سالم للدراسات السياسية اللبنانية في جامعة القديس يوسف

وفي نشاطٍ آخر، افتتحت جامعة القديس يوسف في بيروت مركز فيليب سالم للدراسات السياسية اللبنانية، وهو مشروع وصفه الدكتور سالم بأنه "حلمٌ يتحقق"، يجمع بين الفكر السياسي والثقافة اللبنانية في مساحة بحثية جديدة. تضمّن الافتتاح أيضاً تدشين حديقة حقوق الإنسان ورفع الستار عن تمثالٍ للدكتور سالم داخل الحرم الجامعي، بحضور شخصيات سياسية وثقافية وأكاديمية. وقد شدّد سالم في كلمته على أهمية بناء "لبنان الحضارة" والدفاع عن مفهوم الحياد الفاعل كمدخل لحلّ أزمات البلاد.

مشاركات فكرية وثقافية

خلال هذه الفعاليات، شارك الدكتور سالم في ندوات تناولت التراث اللبناني، الفكر السياسي، ودور لبنان التاريخي في صناعة الثقافة في الشرق. وقد أكّد في مداخلاته أن الحفاظ على التراث هو حفاظ على الهوية، وأن لبنان "كيان حضاري لا يموت"، داعياً إلى تعزيز البحث العلمي وربط الجامعات اللبنانية بالمؤسسات العالمية.

يأتي هذا الحراك المكثّف للدكتور فيليب سالم في بيروت ليؤكد التزامه العميق بقضايا الوطن، من الطب إلى الثقافة والسياسة، وليرسّخ دوره كجسرٍ بين لبنان والعالم، وكصوتٍ يدافع عن هوية البلاد ورسالتها الحضارية.

عاد ليقول إن الاغتراب قد يأخذ الجسد، لكنه لا يستطيع أن ينتزع الوطن من القلب. وقلب فيليب سالم... بقي هنا، في بيروت، حيث بدأ كل شيء، وحيث يعود كل شيء، وحيث يظلّ اسمه معلّقاً في ذاكرة المدينة كجرسٍ لا يتوقف عن الرنين.

كلمة بيروت تايمز

في عامك الخامس والثمانين، يا دكتور فيليب، لا نقول لك "كل عام وأنت بخير" فقط...  نقول لك:

شكراً لأنك جعلت اسم لبنان يلمع حيث تُصنع المعجزات.

شكراً لأنك علّمتنا أن الطب أخلاقٌ قبل أن يكون علماً، وأن الشفاء يبدأ من القلب قبل أن يبدأ من الدواء.

شكراً لأنك كنت غنياً فأعطيت، وقادراً فساعدت، وعالماً فتواضعت، وإنساناً فكنت أكبر من كل الألقاب.

أطال الله بعمرك، وأبقاك ضوءاً لا ينطفئ، وصوتاً يهمس بالأمل في آذان من تعبوا من الألم. أطال الله بعمرك لتظلّ شاهداً على أن الرحمة يمكن أن تكون علماً، وأن العلم يمكن أن يكون صدقةً جارية، وأن الإنسان يمكن أن يكون وطناً كاملاً.

أنت لست بعمر 85 عاماً فقط... أنت بعمر 85 عاماً من الرحمة، من العلم، من العطاء، من الضوء الذي لا يعرف نهاية.

                                                                                                                                              أسرة تحرير بيروت تايمز

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment