التغيير لا يحتاج إلى صناعة المستحيل

07/21/2026 - 11:08 AM

Arab American Target

 

 

 

 

رشيد ج. مينا

أقرأ الكثير من المقالات، وأستمع إلى العديد من الخطابات والأحاديث والندوات التي تحث الشعوب على الثورة وتغيير الأوضاع و«صناعة المستحيل»، بما يمكّنها من فرض إرادتها وتحقيق تطلعاتها نحو حياة كريمة حرة وديمقراطية.

أتوقف كثيرًا عند هذا التعبير: صناعة المستحيل. فما هو المستحيل أصلًا؟

المستحيل، في أحد معانيه، هو ما يمتنع عقلًا أو عادةً وقوعه أو تحققه. وهنا لا بد من التمييز بين المستحيل الحقيقي، وبين أمر بدا للإنسان مستحيلًا في مرحلة زمنية معينة بسبب محدودية معرفته أو إمكاناته، ثم أثبت تطور العلم والمعرفة أنه كان ممكنًا، لكن الإنسان لم يكن قد اكتشف بعد طريق الوصول إليه.

هذا التمييز ضروري، لأن كثيرًا مما اعتقد الإنسان يومًا أنه مستحيل أصبح اليوم جزءًا من حياته العادية. فالطيران في السماء، واستكشاف الفضاء، والتقدم الهائل في الطب والاتصالات والحوسبة، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي، كلها إنجازات عظيمة حققها العقل البشري بتراكم العلم والمعرفة والتجربة. لكنها لم تكن صناعة للمستحيل بمعناه الحقيقي، بل اكتشافًا للممكن وامتلاكًا لأدوات لم تكن متاحة أو معروفة من قبل.

فليس كل ما كان مجهولًا مستحيلًا، وليس كل ما عجز الإنسان عن تحقيقه في مرحلة من تاريخه ممتنعًا عليه إلى الأبد.

أما إذا عدنا إلى ما حمله التاريخ الديني من أحداث ومعجزات خرجت عن حدود القدرة البشرية، من طوفان نوح، وما حلّ بثمود بعد تكذيبهم نبي الله صالح، إلى معجزات موسى وانشقاق البحر وغرق فرعون وقومه، وصولًا إلى الإسراء والمعراج، فإن هذه الأحداث لم تكن صنعًا بشريًا ولا تجاوزًا بشريًا للمستحيل، وإنما كانت بإرادة الله سبحانه وتعالى وقدرته، ومنها ما جرى على أيدي أنبيائه بإذنه. وهنا يصبح الفارق جوهريًا بين قدرة الإنسان، مهما تطورت واتسعت، وبين قدرة الخالق التي لا تحدها حدود البشر وإمكاناتهم.

فالإنسان، رغم كل ما حققه من تقدم مذهل، ورغم قدرته على دراسة الكون ورصد ظواهره وحساب الكثير من حركاته والتنبؤ العلمي ببعض الظواهر استنادًا إلى المعلومات والقوانين والمعطيات، فإنه لا يعلم الغيب. كما أنه، مهما بلغت قدراته العلمية والتكنولوجية، لا يملك إعادة ترتيب نظام الكون أو تغيير مسارات الكواكب والنجوم وفق إرادته. إنه يكتشف القوانين، ويدرسها، ويستفيد منها، ويوسع حدود معرفته وقدرته في إطارها، لكنه لم يخلق هذه القوانين ولا يملك إخضاع الكون لإرادته.

ومن هنا يصبح الحديث عن «صناعة المستحيل»، عندما يتجاوز التعبير المجازي عن عظمة الإنجاز ويتحول إلى وعد سياسي أو ثوري يقدم إلى الشعوب باعتباره حقيقة قابلة للتحقق بالإرادة والحماسة وحدهما، مدخلًا إلى الخداع والوهم، وربما إلى النفاق السياسي.

فحين يخاطب السياسي أو الزعيم أو صاحب المنبر غرائز الناس وعواطفهم، ويَعِدهم بصناعة المستحيل وتغيير الواقع لمجرد أنهم يريدون ذلك، من دون أن يحدثهم عن الإمكانات والقدرات وموازين القوى والعلم والتنظيم والبرنامج والأدوات والثمن والنتائج، فإنه لا يخاطب عقولهم بقدر ما يستثمر في مشاعرهم وآمالهم ومعاناتهم.

وهذا يصبح أكثر خطورة عندما يجري استغلال الميول والانتماءات الدينية أو الطائفية أو المذهبية، واستخدام المقدسات والعواطف والإيمان وسيلة لاستنهاض الناس خلف أهداف سياسية أو سلطوية قد لا تكون لها علاقة بما يعتقد هؤلاء أنهم يتحركون من أجله.

فالثورة والتغيير لا يصنعهما المستحيل، ولا يصنعهما أبطال الخطب والمنابر، ولا الشعارات المرتفعة، ولا التخدير الفكري والعاطفي، ولا سوء استخدام عواطف الناس أو معتقداتهم لتحقيق غايات وأهداف أخرى.

التغيير الحقيقي يبدأ من العقل.

يبدأ عندما يتحرر الإنسان من القيود التي تمنعه من رؤية الواقع كما هو، لا كما يراد له أن يراه؛ من التشوهات التي يمكن أن تنتج عن التربية والبيئة والعادات والتقاليد والموروثات والقوانين المختلة، وعن الهيمنة السياسية والفكرية والإعلامية التي تعمل على توجيه السلوك وصناعة الأفكار والمواقف بما يخدم مصالح أصحابها.

ولا يعني التحرر من هذه القيود التنكر للقيم أو الهوية أو التاريخ أو الدين، بل على العكس، يعني امتلاك القدرة على التمييز بين جوهرها الحقيقي وبين ما أضيف إليها أو استُثمر فيها أو استُخدم باسمها لخدمة مصالح البشر وصراعاتهم.

فالعقل الحر لا يعني العقل المنفصل عن القيم، وإنما العقل القادر على التفكير والتمحيص والسؤال والتمييز، وعلى قراءة الواقع بعيدًا عن الخوف والتبعية والتلقين. وعندما نتحدث عن الثورة والتغيير، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نصنع المستحيل؟

بل: ماذا نريد أن نغيّر؟ وإلى أين نريد الوصول؟ وما الذي نملكه من إمكانات؟ وما الذي ينقصنا؟ وما الأدوات التي نحتاج إليها؟ وهل نملك العلم والمعرفة والتنظيم والإرادة والقدرة على تحمل مسؤولية النتائج؟

فإسقاط واقع قائم لا يعني بالضرورة بناء واقع أفضل، كما أن الثورة لا تصبح ناجحة لمجرد أنها أسقطت سلطة، والتغيير لا يقاس بحجم الشعارات ولا بعدد الجماهير التي تهتف لها، بل بما يستطيع أن يبنيه بعد ذلك من دولة ومؤسسات وقانون وعدالة وحرية وكرامة وحياة أفضل للإنسان.

ولعل تجارب الشعوب عبر التاريخ تقدم شواهد كثيرة على أن الهدم قد يكون أسرع من البناء، وأن استنهاض الجماهير بالعاطفة قد يكون أسهل من بناء الدولة، وأن إسقاط نظام قد يتحقق في زمن قصير، بينما بناء البديل القادر على تحقيق أهداف الناس يحتاج إلى معرفة ومشروع ومؤسسات وقيادة مسؤولة ووعي اجتماعي وإرادة مستمرة.

لهذا فإن الشعوب ليست بحاجة إلى من يعدها بصناعة المستحيل، بقدر حاجتها إلى من يساعدها على اكتشاف الممكن، وفهم شروطه، وامتلاك أدواته، وتحرير إرادتها من الخوف والتبعية والجهل، ثم العمل على تحويل ذلك الممكن إلى واقع.

ليس المطلوب من الإنسان أن يصنع المستحيل، بل أن يعرف الممكن، ويفهم شروطه، ويمتلك أدواته، ويحرر إرادته، ثم يعمل على تحويله إلى واقع.

فبين الممكن والمستحيل مساحة واسعة اسمها العقل والعلم والمعرفة والإرادة والعمل. وفي هذه المساحة تحديدًا تتحرر الشعوب، وتتغير المجتمعات، وتُبنى الدول، ويُصنع المستقبل.

أما المستحيل الحقيقي، فلا يحتاج الإنسان إلى ادعاء القدرة على صنعه حتى يثبت عظمة عقله؛ فما يستطيع الإنسان تحقيقه عندما يتحرر عقله، وتتراكم معرفته، ويمتلك إرادته وأدواته، هو في ذاته من الاتساع والعظمة ما يكفي لصناعة تغيير حقيقي، لا مستحيل متخيّل.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment