قبلَ أن نُعلّم، فلْنُرَبِّ… وزارة التربية قبل التعليم

07/20/2026 - 03:01 AM

Arab American Target

 

 

د. مهى محمّد مراد

منذ سنوات، ينشغل اللبنانيون بالحديث عن الإصلاح المالي والاقتصادي والسياسي، بينما يغيب عن النقاش الإصلاح الأكثر أهمية وتأثيرًا، وهو إصلاح التربية، فالأوطان لا تُبنى بالموازنات وحدها، ولا بالمشاريع العمرانية، بل تُبنى أولًا بالإنسان… وإذا كان الإنسان هو أساس الدولة، فإنّ المدرسة هي المكان الذي تتشكّل فيه شخصيته وقيَمه وانتماؤه الوطني.

ولهذا، فإنّ اسم “وزارة التربية والتعليم” ليس مجرد تسمية إدارية، بل يحمل فلسفة متكاملة، فالتربية تسبق التعليم، لأنّ المعرفة من دون قيَم قد تنتج طبيبًا أو مهندسًا أو مسؤولًا ناجحًا في مهنته، لكنه يفتقر إلى النزاهة، واحترام القانون، والشعور بالمسؤولية تجاه وطنه، أما التربية، فهي التي تصنع المواطن قبل أن تصنع الموظف، والإنسان قبل صاحب الشهادة.

في لبنان، تبدو الحاجة اليوم مُلِحّة إلى إعادة تعريف وظيفة المدرسة، فهل دورها يقتصر على إعداد الطلاب للامتحانات الرسمية؟ أم أنها مسؤولة أيضًا عن إعداد مواطن يؤمن بالدولة، ويحترم التنوع، ويحتكم إلى القانون، ويضع المصلحة الوطنية فوق الانتماءات الضيقة؟

الإجابة يجب أن تكون واضحة: لا قيمة لأي نظام تعليمي إذا عجز عن بناء إنسان صالح.

ومن هنا، تبرز قضية المناهج الدراسية، وفي مقدمتها كتاب التاريخ، بوصفها إحدى أكثر القضايا حساسية، فمن غير الطبيعي أن يكون لوطن واحد أكثر من رواية تاريخية، أو أن يكبر الطلاب وهم يتلقون قراءات متناقضة للأحداث نفسها.

إنّ التاريخ ليس مادة للحفظ، بل هو ذاكرة الأمة، وإذا كانت الذاكرة منقسمة، فمن الصعب أن تتوحّد الرؤية نحو المستقبل.

وبالتالي، فإنّ توحيد كتاب التاريخ لا يعني فرض رأي سياسي واحد، ولا إلغاء التعددية، بل يعني الاتفاق على الحقائق الأساسية، والاعتراف بالأحداث كما وقعت، وتقديمها بمنهج علمي وموضوعي، بعيدًا من الخطاب الطائفي أو الحزبي، فالدول التي مرّت بحروب أهلية أو انقسامات حادة لم تتمكن من بناء مستقبلها إلا عندما امتلكت الشجاعة لقراءة تاريخها بصدق، وتحويله من مصدر للانقسام إلى وسيلة للتعلم والمصالحة.

وليس التاريخ وحده بحاجة إلى مراجعة، بل إنّ معظم المناهج التعليمية تحتاج إلى تحديث جذري، فالعالم يعيش ثورة معرفية ورقمية متسارعة، بينما لا تزال بعض مناهجنا تعتمد أساليب الحفظ والتلقين أكثر مما تشجع على التفكير والتحليل والإبداع.

لقد أصبح النجاح في القرن الحادي والعشرين يقاس بقدرة الإنسان على حل المشكلات، والعمل الجماعي، واحترام التنوع، والتكيف مع المتغيرات، لا بكمية المعلومات التي يحفظها.

كما أنّ المدرسة يجب أن تكون المكان الذي يتعلم فيه الطفل معنى المواطنة الحقيقية، فمن داخل الصف يتعلم احترام الوقت، والحوار، وقبول الاختلاف، والعمل بروح الفريق، والمحافظة على الممتلكات العامة، وخدمة المجتمع.، وهذه القيم ليست أقل أهمية من الرياضيات أو العلوم، لأنها تشكل شخصية الإنسان طوال حياته.

لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن نهضتها بدأت من المدرسة، فعندما استثمرت في المعلم، وطوّرت المناهج، وربطت التعليم بالقيم الوطنية والهوية الجامعة، استطاعت أن تصنع أجيالًا قادت التنمية والابتكار، ولم يكن السر في كثرة الكتب، بل في وضوح الرؤية التربوية التي تضع الإنسان في قلب عملية الإصلاح.

أما في لبنان، فإنّ الإصلاح التربوي يجب أن يكون مشروعًا وطنيًا بعيدًا من التجاذبات السياسية، فالمناهج لا ينبغي أن تتغير بتغير الحكومات، ولا أن تُكتب وفق مصالح القوى المتنافسة، بل يجب أن تُبنى على رؤية وطنية طويلة الأمد، هدفها إعداد جيل يؤمن بأنّ مستقبله مرتبط بنجاح وطنه، لا بانتصار طائفته أو حزبه.

إنّ الأزمة التي يعيشها لبنان ليست أزمة اقتصاد فقط، بل هي أيضًا أزمة ثقة، وأزمة هُوية، وأزمة مواطنة، وهذه الأزمات لا تعالج بالقوانين وحدها، بل تبدأ من مقاعد الدراسة، حيث يتكوّن وعي الأطفال والشباب، وتتبلور نظرتهم إلى الوطن والدولة والمجتمع.

إنّ الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في البشر، ولذلك، فإنّ وزارة التربية مطالَبة اليوم بأن تعود إلى جوهر رسالتها، فتكون وزارة لتربية الإنسان قبل أن تكون وزارة لتعليمه، فعندما ننجح في تربية جيل يؤمن بالوطن، ويحترم القانون، ويقبل الآخر، ويبحث عن المعرفة بعقل منفتح، نكون قد وضعنا الأساس المتين لدولة قادرة على النهوض مهما اشتدت الأزمات.

فالأوطان لا تسقط حين تضعف مواردها، وإنما حين تعجز عن تربية أجيال تحمل مسؤولية مستقبلها.

ومن هنا، فإنّ إصلاح التربية ليس بندًا في برنامج حكومي، بل هو المشروع الوطني الأكبر الذي يجب أن يجتمع حوله جميع اللبنانيين، لأنه الطريق الأقصر إلى بناء وطن يستحقه أبناؤه.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment