حين تُحاصَر الرئاسة قبل الإقلاع إلى واشنطن

07/20/2026 - 02:35 AM

A

 

 

في زمن الانهيارات... ليس من الحكمة محاكمة الزيارة قبل نتائجها

 

بقلم: فرنسوا الجردي

الثنائي الشيعي... بين الهواجس السياسية وضرورات الدولة

ليس غريبًا أن تثير زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى الولايات المتحدة اهتمامًا سياسيًا واسعًا، فهي تأتي في مرحلة هي الأخطر التي يمر بها لبنان منذ عقود، حيث تتقاطع أزمات السلاح، والاقتصاد، والإصلاح، وإعادة الإعمار، والعلاقات الدولية. لكن الغريب حقًا أن تتحول هذه الزيارة، قبل أن تبدأ، إلى هدف لحملة سياسية ثلاثية الاتجاهات، لكل منها حساباته الخاصة، فيما الخاسر الوحيد هو صورة الدولة اللبنانية.

لقد بدا المشهد وكأن بعض القوى السياسية لا تريد للرئيس أن يغادر إلى واشنطن وهو يحمل موقفًا وطنيًا جامعًا، بل أرادت أن تحاصره بسلسلة من الاعتراضات والاتهامات والتشكيك، وكأن المشكلة ليست في ما سيحققه للبنان، بل في مجرد قيامه بالمحاولة.

يمكن فهم حساسية الثنائي الشيعي تجاه أي حديث عن ترتيبات أو تفاهمات قد تمس العلاقة مع إسرائيل، خصوصًا في ظل الجدل القائم حول مستقبل تنفيذ القرار 1701، وحصرية السلاح بيد الدولة، والضمانات الأمنية. ومن الطبيعي أن يكون لكل فريق سياسي موقفه ورؤيته.

إلا أن الاعتراض السياسي شيء، وتحويل زيارة رئيس الجمهورية إلى مادة للتصويب المسبق شيء آخر.

فالرئيس لا يذهب إلى واشنطن ممثلًا لفريق سياسي، ولا يحمل برنامج حزب، بل يحمل موقع رئاسة الجمهورية والدولة اللبنانية. وإذا كان لدى أي فريق تحفظات، فمكانها الحوار الداخلي والمؤسسات الدستورية، لا استباق الزيارة بحملات توحي وكأن لبنان منقسم على نفسه أمام المجتمع الدولي. اليوم، يحتاج لبنان إلى تعزيز موقعه التفاوضي، لا إلى إضعافه قبل بدء أي نقاش.

التيار الوطني الحر... عندما تتحول السياسة إلى الشخصنة

أما ما صدر عن التيار الوطني الحر، فقد تجاوز حدود الاختلاف السياسي المشروع عندما دخل في تناول شخص الرئيس وعائلته.

فالخلاف السياسي حق مشروع، والنقد الديمقراطي ضرورة، لكن إدخال العائلة في السجال لا يخدم الحياة السياسية، بل يساهم في تآكل هيبة المؤسسات وإضعاف موقع الرئاسة الأولى، التي تبقى رمزًا للدولة بغض النظر عن شاغلها.

في الدول التي تحترم مؤسساتها، تُناقش السياسات والقرارات، لا تُستهدف العائلات والخصوصيات الشخصية. وليس من مصلحة أحد أن يتحول موقع رئاسة الجمهورية إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية، لأن الضرر في النهاية يصيب صورة الدولة كلها.

القوات اللبنانية... هل تستحق الشكليات كل هذا الجدل؟

أما اعتراض القوات اللبنانية على عدم مرافقة وزير الخارجية يوسف رجي للوفد الرئاسي، فهو يبقى في إطار ملاحظة سياسية يمكن إبداؤها، لكن تحويلها إلى قضية وطنية في هذا الظرف يبدو مبالغًا فيه.

رئيس الجمهورية هو من يحدد تشكيل الوفد الرسمي وفق ما يراه مناسبًا، وقد تكون هناك اعتبارات دبلوماسية أو تقنية أو سياسية لا يعلمها إلا هو والفريق المعني بإدارة الزيارة. ومن غير المنطقي اختزال زيارة بهذا الحجم، قد تحدد مستقبل العلاقة اللبنانية - الأميركية، بمسألة بروتوكولية تتعلق بعضوية الوفد.

فالجوهر أهم من الشكل، والنتائج أهم من الأسماء. كان المطلوب دعم الرئاسة... لا محاصرتها

المفارقة المؤلمة أن أبرز الحملات جاءت من قوى تختلف في كل شيء تقريبًا، لكنها التقت، ولو من دون تنسيق، عند إضعاف الزخم السياسي للزيارة. وكان الأجدى، خصوصًا بالنسبة إلى القوى المسيحية الكبرى، أن تتعامل مع هذه الزيارة باعتبارها محطة وطنية تتجاوز الاصطفافات الحزبية.

فالخلافات الداخلية لا تنتهي، لكن حماية موقع الرئاسة الأولى مسؤولية وطنية، لأنها تمثل آخر ما تبقى من توازن النظام اللبناني في ظل الانقسامات الحادة.

كان يمكن تأجيل السجالات أيامًا قليلة، وإعطاء الرئيس فرصة ليتحدث باسم لبنان، ثم تُقيَّم النتائج بعد عودته.

أما إطلاق النار السياسي قبل إقلاع الطائرة، فلا يخدم إلا من يريد إظهار لبنان دولة عاجزة عن توحيد موقفها حتى في أصعب الظروف.

الزيارة ليست للرئيس... بل للبنان

علينا أن نتذكر أن الملفات المطروحة في واشنطن لا تتعلق بمستقبل رئيس الجمهورية الشخصي، بل بمستقبل لبنان كله.

هناك ملفات تتعلق بإعادة الإعمار، وبالدعم الاقتصادي، وبالعلاقات الدولية، وبالمساعدات العسكرية، وبالإصلاحات، وبالاستقرار الأمني، وباستعادة ثقة المجتمع الدولي. وأي نجاح قد يتحقق سينعكس على اللبنانيين جميعًا، وأي فشل سيدفع ثمنه اللبنانيون جميعًا أيضًا.

لذلك، فإن المصلحة الوطنية تقتضي منح رئيس الدولة مساحة للتحرك، لا محاصرته بحسابات حزبية ضيقة.

الرهان على الدولة لا على الانقسامات

إن قوة لبنان في الخارج تبدأ من وحدته في الداخل. وكلما ظهر المسؤول اللبناني مدعومًا بإجماع وطني، ازدادت قدرته على الدفاع عن مصالح بلده وانتزاع الدعم له.

أما عندما يرى العالم وفودنا الرسمية محاطة بحملات التخوين والتشكيك والانقسامات، فإنه يستنتج أن المشكلة ليست فقط في أزمات لبنان، بل في عجز طبقته السياسية عن الاتفاق حتى على دعم رئيس جمهوريتها.

اليوم، لا يحتاج لبنان إلى مزيد من المعارك الداخلية، بل إلى هدنة سياسية تسمح للدولة بأن تستعيد شيئًا من حضورها وهيبتها. فالزيارات التاريخية لا تُقاس بما يقال عنها قبل حصولها، بل بما تحققه بعدها. ومن حق اللبنانيين أن يراقبوا ويحاسبوا، لكن من واجبهم أيضًا أن يمنحوا رئيس دولتهم فرصة للعمل قبل إصدار الأحكام. وفي لحظة وطنية بهذه الحساسية، يصبح دعم الرئاسة ليس انحيازًا لشخص، بل انحيازًا للدولة نفسها، لأن سقوط هيبة الرئاسة لن يكون هزيمة لرئيس، بل خسارة للبنان بأسره.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment