
فاروق غانم خداج *
"بعد غياب دبلوماسي دام 17 عامًا، يطرق الرئيس جوزاف عون أبواب البيت الأبيض حاملاً ملفات السيادة والسلاح والفساد. لكن السؤال الأكبر: هل تعيد واشنطن رسم خريطة لبنان، أم أن عون سيعود إلى بيروت بوعود أكبر من حجم الأرض؟",
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بحجمها البروتوكولي، بل بثقل ما تحمله من رمزية. ووقفة الرئيس جوزاف عون اليوم في واشنطن هي إحدى تلك اللحظات. فمنذ سبعة عشر عامًا، لم يقف رئيس لبناني على عتبة البيت الأبيض، سبعة عشر عامًا كانت كافية لجيل كامل نشأ وهو يعتقد أن بلاده باتت خارج خريطة اهتمام العالم، غارقة في دوامتها الداخلية، منسية إلا حين تشتعل أو تنهار.
ولذلك، حين نرى اليوم رئيسًا لبنانيًا يجلس إلى طاولة وزير الخارجية الأميركي، تمهيدًا للقاء مع الرئيس الأميركي نفسه، لا يمكن قراءة المشهد ببرود المراسلين وحياد الوقائع وحدها. فهذه اللحظة تحمل سؤالًا أعمق من أي بيان دبلوماسي: هل يستطيع بلد أنهكته عقود من الخلل والاقتتال أن يستعيد صوته، أم أن كل ما يجري ليس سوى فصل جديد من فصول الانتظار الطويل؟
عون أمام اختبار الانتظار اللبناني
لطالما عبّر كثير من اللبنانيين عن تطلعهم إلى رئيس لا يتحدث باسم طائفته أو حزبه، بل باسم وطن واحد موحد. حلموا برئيس لا ينحني، لا يساوم، ولا يبيع القرار الوطني بثمن السلامة الشخصية أو الحسابات الضيقة. وكل مرة كان هذا الحلم يتأجل، ويتحول الانتظار إلى نوع من اليأس المزمن الذي اعتاده اللبنانيون بوصفه جزءًا من واقعهم الوطني المنهك.
اليوم، وفي هذه الزيارة تحديدًا، يبدو أن هناك محاولة جادة لكسر هذا النمط. الملفات المطروحة على الطاولة الأميركية ليست تفاصيل تقنية باردة: وقف إطلاق النار وتثبيته، انسحاب القوات الإسرائيلية من أرض ما زالت محتلة، حصرية السلاح بيد الدولة وحدها، لا بيد أي فصيل أو ميليشيا مهما كانت شرعيتها التاريخية أو الدينية. هذه ليست بنود اتفاق سياسي عابر، بل هي أسئلة الهوية الوطنية بعينها: من يملك القرار في لبنان؟ الدولة، أم من هو أقوى منها؟
وحين نتذكر أن هذا الطرح كان حتى وقت قريب أشبه بالمستحيل، خطًا أحمر لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه، ندرك حجم المخاطرة السياسية التي يخوضها الرئيس عون. فهو لا يفاوض من موقع القوة المطلقة، بل من موقع من يحاول أن يمسك بخيوط دولة شبه ممزقة، ويعيد ربطها بيد واحدة أمام أعين العالم.
الخوف الذي لا يُقال بصوت عالٍ
لكن، وبكل صدق، لا يمكن لمقال يستحق أن يوصف بالتحليلي أن يتجاهل القلق الكامن تحت سطح هذا التفاؤل الحذر. فالرئيس عون يتحرك اليوم في بيئة داخلية شديدة الهشاشة، حيث ما زالت قوى سياسية مؤثرة ترى في مقاربة نزع السلاح، بالشكل والتوقيت المطروحين، تهديدًا لتوازنات ظلت تحمي، ولو بشكل مشوه، السلم الأهلي لعقود. وهذه القوى ترى أن أي بحث في حصرية السلاح يجب أن يرتبط أولًا بانسحاب إسرائيلي كامل وضمانات أمنية واضحة، لا أن يُطرح كخطوة أحادية تُنفَّذ تحت الضغط الخارجي وحده.
الخوف هنا ليس من فكرة نزع السلاح بحد ذاتها، بل من احتمال أن يتحول الحل الأمني إلى تفريغ لبنان من توازناته الداخلية، دون أن يقابله ضمان حقيقي وكامل بانسحاب إسرائيلي، لا انسحاب جزئي أو مشروط أو قابل للتراجع.
هذا هو جوهر المعضلة التي يحملها عون على كتفيه: كيف ينهي فوضى السلاح خارج الشرعية دون أن يفتح جرحًا أهليًا جديدًا؟ سؤال لا إجابة سهلة له، وأي رئيس يدّعي أن الحل بسيط إنما يكذب على شعبه.
عندما تتزامن المسارات: إشارة أمل لا يجب المبالغة فيها
وفي مفارقة لافتة، تزامنت هذه المحطة الأميركية مع اتصال هاتفي تلقاه الرئيس عون من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، جدّد خلاله تأكيده دعم المملكة لخيارات الرئيس اللبناني في تعزيز سيادة لبنان واستقلاله، ورحّب عون بدوره بتجديد الدعوة لزيارة المملكة، مؤكدًا نيته تلبيتها.
قد يبدو هذا التزامن تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا لمن يقرأ الأخبار بسرعة، لكنه يحمل دلالة أعمق: لبنان، للمرة الأولى منذ سنوات، لا يتوسل دعمًا من جهة واحدة، بل يحاول توسيع شبكة الدعم الدولية والإقليمية، أميركية وخليجية معًا، وكأنه يقول للعالم إنه لم يعد يقبل أن يكون ورقة في يد طرف إقليمي واحد.
هذا لا يعني أن الطريق باتت مفروشة بالضمانات. فالتاريخ اللبناني حافل بلحظات تفاؤل مماثلة تبخرت لاحقًا أمام تعقيدات الداخل وتقلبات الخارج. لكن يظل صحيحًا أن وجود أكثر من طرف دولي وإقليمي مستثمر في نجاح هذه المرحلة، هو أفضل بكثير من العزلة التي عاشها لبنان في سنوات الانهيار.
بلد لا تُختصر روحه بأزماته
ومع كل هذا الثقل السياسي والأمني، يبقى هناك بُعد آخر لا يقل أهمية: أن لبنان ليس مجرد ملف أمني على طاولة مفاوضات دولية. هو أرض حملت، منذ آلاف السنين، رسائل الانفتاح والحضارة، وكانت مختبرًا فريدًا، رغم كل هشاشته، لفكرة العيش المشترك بين أديان وطوائف متعددة. هذا الإرث لا يُمحى بقرار سياسي ولا ينهار بأزمة اقتصادية، مهما قست.
ويدخل الرئيس عون هذه الزيارة مستندًا إلى تجربة قيادته المؤسسة العسكرية خلال سنوات الانهيار، وهو ما يمنحه رصيدًا لدى مؤيديه، ويجعله في الوقت نفسه محل اختبار أمام خصومه الذين يطالبونه بترجمة هذا الرصيد إلى نتائج ملموسة، لا وعود إضافية.
السؤال الذي سيبقى معلقًا حتى تنتهي الزيارة
في نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح هذه الزيارة بحفاوة الاستقبال، ولا بصور المصافحات، ولا حتى ببيانات اللقاءات المنمقة. سيُقاس بشيء واحد فقط: هل يعود عون إلى بيروت بالتزامات فعلية وجدول زمني ملموس لانسحاب إسرائيلي حقيقي، أم بوعود عامة تتبخر مع أول أزمة جديدة؟
فهل ستكون هذه الزيارة بداية استعادة الدولة، أم مجرد محطة جديدة في سجل الانتظارات اللبنانية الطويل؟
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني













07/20/2026 - 02:09 AM





Comments