قراءة في موازين القوى الجديدة بالشرق الأوسط
بقلم: د. محمد نصار
لم يعد الشرق الأوسط كما كان قبل عقد من الزمن. فالمنطقة التي عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الصراعات المسلحة، والانقسامات السياسية، والتنافس الإقليمي الحاد، بدأت تشهد إعادة ترتيب للأولويات، حيث أصبحت التنمية الاقتصادية، وأمن الممرات البحرية، وجذب الاستثمارات، وحماية الأمن القومي، ملفات تتقدم على كثير من الصراعات التقليدية.
وفي ظل هذه التحولات، يبرز التقارب بين مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا باعتباره أحد أهم المتغيرات الجيوسياسية التي يمكن أن تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة. ورغم عدم وجود تحالف عسكري أو سياسي معلن يجمع الدول الثلاث، فإن تطور العلاقات الثنائية بينها يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول مستقبل المنطقة، ولماذا تراقب إسرائيل وإيران هذا التقارب باهتمام شديد.
تمثل الدول الثلاث مثلثًا استراتيجيا بالغ الأهمية، يجمع بين الثقل السكاني والعسكري لمصر، والقوة الاقتصادية والمالية للمملكة العربية السعودية، والقدرات الصناعية والعسكرية والتكنولوجية لتركيا. وإذا نجحت هذه القوى في بناء شراكة استراتيجية مستقرة، فإنها ستكون قادرة على التأثير في معظم ملفات الشرق الأوسط، من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، ومن الخليج العربي إلى شمال أفريقيا.
تمتلك مصر أكبر قوة عسكرية عربية، وتسيطر على قناة السويس، أحد أهم الممرات التجارية في العالم، كما تمثل مركزًا سياسيًا وتاريخيًا في النظام العربي. أما المملكة العربية السعودية، فهي أكبر اقتصاد عربي، وتمتلك تأثيرًا كبيرًا في أسواق الطاقة العالمية، وتقود مشروعات اقتصادية ضخمة ضمن رؤية 2030، إضافة إلى ثقلها الديني والسياسي. بينما تعد تركيا قوة صناعية وعسكرية صاعدة، وتمتلك واحدة من أكبر الصناعات الدفاعية في المنطقة، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل بين آسيا وأوروبا.
هذه المقومات تجعل أي تقارب بين الدول الثلاث يتجاوز كونه مجرد تحسين للعلاقات الدبلوماسية، ليصبح مشروعًا قادرًا على إنتاج توازن إقليمي جديد.
ومن المنظور الإسرائيلي، فإن أي تقارب بين القوى الإقليمية الكبرى يُنظر إليه باعتباره متغيرًا يستحق المتابعة. فإسرائيل تستفيد تاريخيًا من وجود توازنات متحركة وتحالفات متغيرة في المنطقة، بينما قد يؤدي تنسيق أكبر بين مصر والسعودية وتركيا إلى زيادة قدرة هذه الدول على التنسيق في ملفات الأمن الإقليمي، والطاقة، وشرق البحر المتوسط، وربما في بعض القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، تحتفظ إسرائيل بعلاقات واتفاقات مع مصر، كما شهدت علاقاتها مع عدد من الدول العربية تطورًا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد حالة صراع أو مواجهة.
أما إيران، فإنها تنظر إلى المنطقة باعتبارها ساحة تنافس على النفوذ السياسي والأمني. ومن ثم، فإن أي تقارب بين القاهرة والرياض وأنقرة قد يُفسَّر على أنه تطور يمكن أن يؤثر في موازين القوى الإقليمية، خاصة في الملفات المرتبطة بأمن الخليج، والبحر الأحمر، وبعض مناطق الأزمات. ومع ذلك، فإن العلاقات بين تركيا وإيران تجمع بين التعاون والتنافس في آن واحد، كما شهدت العلاقات السعودية الإيرانية تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس أن طبيعة العلاقات الإقليمية أكثر تعقيدًا من الاصطفافات التقليدية.
ومن أهم عناصر القوة التي يمكن أن تنتج عن هذا التقارب هو التكامل الاقتصادي. فمصر تمتلك سوقًا كبيرة وموقعًا لوجستيًا عالميًا، والسعودية تمتلك رؤوس الأموال والاستثمارات الضخمة، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية متقدمة وخبرات في التصنيع والتكنولوجيا. ويمكن لهذا التكامل أن يخلق واحدة من أكبر الكتل الاقتصادية في الشرق الأوسط، وأن يعزز التجارة البينية، وسلاسل الإمداد، والاستثمار في الصناعات الإستراتيجية، والطاقة، والنقل، والأمن الغذائي.
كما أن التعاون في الصناعات العسكرية قد يمثل بعدًا مهمًا، حيث قطعت تركيا شوطًا كبيرًا في الصناعات الدفاعية، بينما تعمل مصر على تطوير قدراتها العسكرية والتصنيعية، وتستثمر السعودية بصورة متزايدة في توطين الصناعات الدفاعية. وإذا توسع التعاون في هذا المجال، فقد يؤدي إلى تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين وتعزيز القدرات الدفاعية للدول الثلاث.
وفي مجال الطاقة، تمتلك الدول الثلاث أوراقًا مؤثرة، سواء في إنتاج النفط والغاز، أو في نقل الطاقة، أو في مشروعات الربط الكهربائي، أو في تأمين الممرات البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة العالم. ومن شأن تنسيق أوسع بينها أن يزيد من قدرتها على التأثير في أمن الطاقة الإقليمي والدولي.
لكن هذا السيناريو يواجه أيضًا تحديات حقيقية، أبرزها اختلاف الأولويات السياسية، وتباين بعض المصالح في ملفات إقليمية، إلى جانب ارتباط كل دولة بشبكة واسعة من العلاقات الدولية والإقليمية التي تفرض عليها حسابات دقيقة في إدارة تحالفاتها.
كما أن القوى الدولية الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، تتابع بدورها أي تغير في موازين القوى بالمنطقة، لأن الشرق الأوسط لا يزال يمثل مركزًا حيويًا للتجارة العالمية، والطاقة، والممرات البحرية، والأمن الدولي.
في النهاية، قد لا يكون السؤال هو: هل يوجد تحالف مصري سعودي تركي؟ بل ربما يكون السؤال الأهم: هل تستطيع هذه القوى الثلاث تحويل التقارب السياسي والاقتصادي إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى تحقق الاستقرار والتنمية وتحافظ على توازن المنطقة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل الشرق الأوسط خلال العقد القادم. وإذا نجحت القاهرة والرياض وأنقرة في بناء نموذج للتعاون يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة يكون عنوانها التنمية والشراكة، بدلاً من الصراعات والاستقطابات التي استنزفت شعوبها لعقود طويلة.











07/14/2026 - 11:54 AM





Comments