من الناتو إلى هرمز: هل يحوّل ترامب الحماية الأمريكية إلى فاتورة نفوذ؟

07/14/2026 - 08:48 AM

Your Ad Here

 

معتز فخرالدين *

لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته فرض ضريبة بنسبة 20 في المئة على السفن العابرة لمضيق هرمز مجرد إجراء مالي يتعلق بكلفة حماية الملاحة، بل يحمل في طياته سؤالًا أوسع حول طبيعة الدور الأمريكي في العالم وشروط استمرار القيادة الأمريكية للنظام الدولي.

فحين يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة لا تستفيد اقتصاديًا بشكل مباشر من المضيق، ثم يطرح في الوقت نفسه فرض رسوم على مستخدميه، فإنه يكشف عن تحول في طريقة النظر إلى القوة: من اعتبار الأمن الدولي منفعة استراتيجية توفرها القوة الكبرى مقابل نفوذ سياسي طويل الأمد، إلى اعتباره مسؤولية يجب أن يشارك الآخرون في تحمل كلفتها.

لكن المفارقة في خطاب ترامب أنه يقدم الحماية الأمريكية وكأنها عبء غير ذي مردود مباشر، بينما يدرك في الوقت نفسه أنها تمثل إحدى أهم أوراق النفوذ الأمريكي. فالمشكلة ليست في كلفة الحماية وحدها، بل في محاولة إعادة تعريف العلاقة بين القوة التي توفر الأمن والدول التي تعتمد عليه. فإذا قبل الحلفاء بهذه المعادلة، فإنهم لا يدفعون ثمن حماية السفن فحسب، بل يعترفون أيضًا بحق واشنطن في إعادة رسم قواعد التحالفات الدولية.

تكمن أهمية مضيق هرمز في كونه إحدى أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي. فالمضيق ليس مجرد ممر لنقل النفط، بل شريان حيوي لحركة الطاقة والتجارة الدولية. ولذلك لم تكن حمايته تاريخيًا مجرد مهمة عسكرية لحراسة طريق بحري، بل جزءًا من الدور الأمريكي في إدارة توازنات القوة العالمية.

ومن هنا تظهر المفارقة الثانية: فترامب لا يتعامل مع هرمز باعتباره مصلحة اقتصادية أمريكية مباشرة، لكنه يدرك أن القدرة على ضمان أمنه والتأثير في ترتيباته الأمنية تمنح الولايات المتحدة ورقة نفوذ استراتيجية. فالقيمة الحقيقية للممر لا تكمن في عائد مالي مباشر، بل في موقعه ضمن شبكة المصالح التي تحدد مكانة القوى الكبرى.

وعليه، فإن الضريبة ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة ضمن رؤية أوسع لإعادة توزيع الأعباء. فالرسالة التي يريد ترامب إيصالها هي أن المظلة الأمنية الأمريكية التي حمت طرق التجارة والطاقة لعقود لم تعد التزامًا مفتوح الكلفة تتحمل واشنطن وحدها أعباءه، بل يجب أن يشارك المستفيدون منها في تحمل نصيب أكبر من تبعاتها.

إيران والخليج والصين… صراع على شرعية إدارة المضيق

لا يمكن فصل هذه الخطوة عن الصراع الطويل حول مضيق هرمز ودوره في موازين القوى الإقليمية. فإيران، بحكم موقعها الجغرافي وإشرافها على جزء من المضيق، سعت على مدى سنوات إلى توظيف هذا الموقع كورقة ضغط سياسية وأمنية، ولوّحت أكثر من مرة بإمكانية التأثير في حركة الملاحة كلما تصاعدت المواجهة مع الولايات المتحدة أو اشتدت العقوبات عليها.

وفي المقابل، طرحت سلطنة عُمان، بوصفها الدولة المشاطئة الأخرى للمضيق، مسارات ملاحية عبر مياهها الإقليمية، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، بهدف تكريس مبدأ حرية الملاحة وتخفيف احتمالات تسييس حركة السفن أو إخضاعها لأي نفوذ أحادي. وتعكس هذه المبادرة إدراكًا متزايدًا بأن أمن المضيق لا يمكن أن يبقى رهينة الصراعات الإقليمية.

ومن هذا المنظور، لا تبدو فكرة ترامب قطيعة كاملة مع ما سبق، بل تمثل انتقالًا إلى مرحلة مختلفة. فإذا كانت إيران قد حاولت توظيف الجغرافيا لامتلاك ورقة ضغط استراتيجية، فإن ترامب يحاول توظيف التفوق البحري الأمريكي لتحويل الحماية نفسها إلى أداة نفوذ سياسي ومالي. وهكذا يصبح المضيق ساحة تنافس بين نموذجين مختلفين: الأول يسعى إلى استثمار الموقع الجغرافي، والثاني يسعى إلى استثمار القوة العسكرية، بينما يبقى الهدف في الحالتين واحدًا: التأثير في حركة التجارة والطاقة، وفي قرارات الدول التي تعتمد على هذا الشريان الحيوي.

لكن الرسالة الأمريكية لا تتوجه إلى إيران وحدها، بل أيضًا إلى الدول المستفيدة من أمن المضيق. فإدارة ترامب ترى أن هذه الدول استفادت طويلًا من الاستقرار الذي وفرته القوة الأمريكية من دون أن تتحمل مسؤوليات سياسية مقابلة. وفي ظل المواجهة مع إيران، تريد واشنطن أن يتحول هذا الاعتماد الاقتصادي إلى التزام سياسي وأمني، بحيث لا تبقى الولايات المتحدة وحدها في مواجهة التحديات، بينما يكتفي الآخرون بجني ثمار الاستقرار.

أما الصين، فمن غير المرجح أن تنظر إلى المسألة باعتبارها كلفة مالية فقط. فهي تعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات الطاقة القادمة من الخليج، كما ترتبط بعلاقات نفطية واقتصادية وثيقة مع إيران. وقد تقبل عمليًا بأي ترتيبات تضمن استمرار تدفق الطاقة، لكنها ستقاوم سياسيًا أي محاولة لتحويل الولايات المتحدة إلى الجهة الوحيدة التي تحدد قواعد الوصول إلى أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

أما دول الخليج، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة. فهي تحتاج إلى ضمان أمن الملاحة التي تعتمد عليها صادراتها، لكنها لا ترغب في الوقت نفسه في أن يتحول أمن الخليج إلى علاقة أحادية تجعلها رهينة للقرار الأمريكي وحده، كما لا تريد أن يصبح المضيق أداة ضغط إيرانية. لذلك ستسعى، على الأرجح، إلى الموازنة بين استمرار الشراكة الأمنية مع واشنطن، وتعزيز الأطر الإقليمية والدولية التي تضمن حرية الملاحة.

القانون الدولي وحدود القوة

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بموازين القوة، بل أيضًا بالقانون الدولي. فمضيق هرمز ممر بحري دولي تحكمه مبادئ حرية الملاحة وحق العبور. ولذلك فإن أي محاولة لفرض رسوم أحادية على السفن تثير نقاشًا قانونيًا وسياسيًا حول مدى شرعية تحويل الأمن إلى خدمة مدفوعة، ومن يملك أصلًا حق تسعير المرور في الممرات الدولية.

كما أن أي خطوة من هذا النوع قد تترك آثارًا اقتصادية مباشرة. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر قد يدفع شركات التأمين البحري إلى زيادة أقساطها، بما يرفع كلفة النقل والتجارة العالمية، وقد تصبح الكلفة الفعلية على الأسواق أعلى بكثير من قيمة الضريبة نفسها.

من الناتو إلى هرمز… فلسفة واحدة

لا يمكن فهم ضريبة هرمز بمعزل عن موقف ترامب من حلف شمال الأطلسي. فمنذ ولايته الأولى، دأب على مطالبة الحلفاء الأوروبيين بزيادة إنفاقهم الدفاعي، معتبرًا أن الولايات المتحدة تحملت طويلًا أعباء أمن لا يشارك الآخرون في كلفته.

ولذلك فإن ما يطرحه في هرمز ليس استثناءً، بل امتداد للمنطق نفسه. فترامب لا يسعى إلى الانسحاب من قيادة النظام الدولي، بل إلى إعادة التفاوض على شروط هذه القيادة، بحيث يصبح النفوذ الأمريكي مرتبطًا بمساهمة الحلفاء في تحمل أعبائه السياسية والمالية.

ولا يمكن أيضًا فصل هذا الخطاب عن الداخل الأمريكي، حيث يخاطب ترامب شريحة واسعة من الناخبين ترى أن بلادها دفعت لعقود كلفة حماية النظام الدولي دون مقابل عادل. ومن هنا يصبح تحويل الأمن إلى “فاتورة” جزءًا من خطابه السياسي الداخلي بقدر ما هو رسالة إلى الخارج.

هل تنجح المقاربة الترامبية؟

رغم ما تحمله الفكرة من جاذبية سياسية بالنسبة لترامب، فإن تحويلها إلى سياسة مستقرة يواجه تحديات قانونية واقتصادية ودبلوماسية كبيرة. ولذلك قد تكون قيمتها الأساسية كورقة تفاوض وضغط أكثر من كونها نظامًا دائمًا لتحصيل الرسوم.

فالهدف الأرجح ليس جباية الأموال، بل دفع الحلفاء والشركاء إلى تحمل مسؤوليات أكبر، وربط استمرار الحماية الأمريكية بدرجة انخراطهم في الاستراتيجية التي تقودها واشنطن. وبذلك لا يكون ترامب بصدد “تسعير الحماية” بقدر ما يسعى إلى “تثمين الالتزام” السياسي تجاه الولايات المتحدة. لكن يبقى السؤال الأصعب: ماذا لو رفضت الصين أو أي قوة أخرى دفع هذه الرسوم؟

فالقوة لا تكفي وحدها لتحويل الحماية إلى فاتورة؛ فالفاتورة تحتاج إلى قبول سياسي أو إلى قدرة فعلية على فرضها. وفي حالة الصين تحديدًا، فإن محاولة إجبارها على الدفع قد تحول قضية الملاحة من مسألة مالية إلى مواجهة أوسع حول من يملك حق وضع قواعد النظام الدولي.

وقد تلجأ واشنطن في هذه الحالة إلى الضغط الدبلوماسي أو الاقتصادي، أو محاولة تحويل الرسوم إلى مساهمات أمنية غير مباشرة، لكن فرضها بالقوة على سفن الدول الكبرى سيحمل مخاطر تصعيدية كبيرة، لأن مضيق هرمز ليس مجرد منطقة نفوذ، بل ممر حيوي للتجارة العالمية.

ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي للمقاربة الترامبية ليس في إعلان السعر، بل في القدرة على تحويل القوة إلى التزام مقبول من الآخرين.

خاتمة

تكشف قضية مضيق هرمز عن تحول أوسع في فلسفة القوة الأمريكية. فالولايات المتحدة لا تتخلى عن موقعها القيادي، لكنها تحاول إعادة صياغة شروط هذا الدور. فبعد أن كان الأمن الذي توفره يُعد استثمارًا في النفوذ الأمريكي، أصبح يُنظر إليه، في المقاربة الترامبية، باعتباره خدمة ينبغي أن يدفع المستفيدون منها ثمنًا سياسيًا وماليًا. ويبقى السؤال الجوهري: هل تستطيع القوة الكبرى أن تحافظ على نفوذها عندما تتحول الحماية التي تقدمها إلى فاتورة؟

قد يكون الجواب نعم، إذا اقترنت هذه الفاتورة بقدرة فعلية على الردع وفرض الالتزامات. أما إذا فقدت القوة الضامنة استعدادها لاستخدام أدواتها السياسية والعسكرية عند الضرورة، فإن قيمة الفاتورة ستتآكل، ومعها قيمة النفوذ نفسه.

فالمعركة حول مضيق هرمز ليست معركة على رسوم عبور السفن فحسب، بل على من يملك حق تعريف الأمن العالمي: هل هو القانون الدولي، أم الجغرافيا، أم القوة التي تملك القدرة على فرض قواعد اللعبة؟

 

 كاتب وباحث سياسي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment