الخوري الدكتور نبيل مونس
المسيحيون في لبنان يعيشون مرحلة مفصلية تُعيد إلى الذاكرة أخطر اللحظات التي مرّ بها هذا المكوّن منذ نشوء دولة لبنان الكبير عام 1920. فالتراجع الديموغرافي، والانكماش في مؤسسات الدولة، والانقسام السياسي، والانفجار الهائل في الهجرة بعد عام 2019، كلها عوامل تُشكّل مشهداً جديداً يطرح أسئلة وجودية حول مستقبل المسيحيين ودورهم في صياغة هوية لبنان ورسالة تعدديته.
التحوّل الديموغرافي هو نقطة الانطلاق. فالمسيحيون الذين شكّلوا أكثر من نصف سكان لبنان في بدايات القرن الماضي، باتوا اليوم أقلية عددية وفق معظم التقديرات غير الرسمية، إذ تشير دراسات إلى أنّ نسبتهم قد لا تتجاوز 30 إلى 33 في المئة من السكان المقيمين. هذا التراجع ليس حدثاً طارئاً، بل نتيجة تراكمات من الحروب والتهجير والانهيارات الاقتصادية، وصولاً إلى الانهيار المالي الذي دفع عشرات الآلاف إلى الهجرة بحثاً عن أمن اقتصادي مفقود. ومع ارتباط المسيحيين التاريخي بالاغتراب، كان خروجهم من لبنان أسرع وأوسع، ما جعل النزيف الديموغرافي يتخذ طابعاً بنيوياً يهدّد التوازن الوطني.
لكنّ الأزمة لا تُختصر بالأرقام. فالتراجع العددي ترافق مع تقلّص واضح في حضور المسيحيين داخل مؤسسات الدولة، من الإدارات العامة إلى الأجهزة الأمنية والقضاء. ورغم أن المناصفة منصوص عليها في وظائف الفئة الأولى، إلا أنّ الواقع يُظهر اختلالاً كبيراً في الفئات الوظيفية الوسطى والدنيا، ما ينعكس على المدى الطويل ضعفاً في القدرة على الوصول إلى مواقع القرار. هذا التراجع البنيوي يجعل المسيحيين يشعرون بأنّ دورهم التاريخي في إدارة الدولة يتآكل تدريجياً، وأنّ المناصفة تحوّلت إلى نصّ بلا حماية فعلية.
في هذا السياق، برز دور البطاركة المسيحيين، ولا سيما البطريركية المارونية، كمرجعية روحية ووطنية تحاول أن تملأ الفراغ السياسي. فالبطريرك الكاردينال بشارة الراعي، كما أسلافه، رفع الصوت دفاعاً عن الحضور المسيحي، داعياً إلى تحييد لبنان، وإعادة بناء الدولة، وحماية المؤسسات، ووقف الانهيار الذي يهدّد الجميع. وقد تحوّلت بكركي في السنوات الأخيرة إلى مساحة حوار بين القوى المسيحية، ومحاولة لجمعها حول رؤية مشتركة في ظلّ الانقسامات الحادة التي ضربت الأحزاب وأضعفت قدرتها على التأثير.
غير أنّ دور البطريركية ليس سهلاً. فهي تحاول أن تحافظ على موقعها الوطني من دون الانزلاق إلى الاصطفاف السياسي، وأن تجمع القوى المسيحية المتناحرة من دون خسارة أي طرف، وأن تدافع عن المناصفة من دون أن تُتهم بالطائفية. هذا التوازن الدقيق يجعل دورها معقّداً، لكنه يبقى محورياً، لأنّ بكركي هي المؤسسة الوحيدة القادرة على مخاطبة المسيحيين في لبنان والاغتراب بصوت واحد، وعلى طرح رؤية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
أما الأحزاب المسيحية، فهي تعيش واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً. فالقوات اللبنانية، والتيار الوطني الحر، والكتائب اللبنانية، وتيار المردة، وحزب الوطنيين الأحرار، إضافة إلى القوى المستقلة، تمتلك قواعد شعبية وازنة، لكنها غارقة في انقسامات سياسية وصراع على الزعامة واختلاف في الخيارات الوطنية. هذا التشتت جعل الصوت المسيحي في الدولة ضعيفاً، وفتح الباب أمام القوى الأخرى لفرض شروطها. فبدلاً من التوحّد حول مشروع إنقاذي، انزلقت الأحزاب في صراعات انتخابية وحسابات سلطوية، ما جعلها عاجزة عن مواجهة الانهيار الوطني الشامل.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أنّ هذه الأحزاب ما زالت تمتلك القدرة على التأثير إذا ما نجحت في التنسيق أو التفاهم على حدّ أدنى من الأولويات. فالقوات تطرح خطاباً سيادياً واضحاً، والتيار يركّز على الإصلاح، والكتائب تقدّم نفسها كقوة تغييرية شبابية، والمردة تحافظ على حضورها التقليدي في الشمال. لكنّ المشكلة أنّ هذه المشاريع لا تلتقي في نقطة واحدة، ما يجعل المسيحيين يشعرون بأنّهم بلا قيادة موحّدة، وبأنّ أحزابهم منشغلة بمعاركها الداخلية أكثر من معركة الوجود.
إلى جانب البطاركة والأحزاب، تلعب الجمعيات المسيحية دوراً متزايداً في سدّ الفراغ الاجتماعي والاقتصادي الذي خلّفه انهيار الدولة. فالمؤسسات الكنسية، والمدارس، والمنظمات الاغترابية، تعمل على دعم العائلات، وتأمين التعليم، والرعاية الصحية، والمساعدات، ومحاولة الحدّ من الهجرة. وقد أثبتت هذه الجمعيات أنّها قادرة على حماية المجتمع المسيحي في المناطق التي تراجعت فيها الخدمات الرسمية. لكنّ هذا الدور يبقى علاجاً موضعياً لا يمكن أن يوقف الانهيار الديموغرافي ما لم يُرفق بمشروع سياسي يعيد الثقة بالمستقبل.
التحدّي الأكبر اليوم هو الانتقال من القلق إلى الفعل. فالمشكلة ليست في تراجع الأعداد فقط، بل في غياب رؤية موحّدة، وفي ضعف المؤسسات، وفي انعدام الثقة بين الناس والدولة. المطلوب مشروع مسيحي - وطني يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة، ويعيد الثقة بالمؤسسات، ويوقف الهجرة، ويعيد للمسيحيين دورهم الطبيعي كشركاء في صياغة مستقبل لبنان. هذا المشروع لا يمكن أن يولد من حزب واحد أو مرجعية واحدة، بل يحتاج إلى توافق واسع بين البطاركة والأحزاب والجمعيات والاغتراب، وإلى خطاب جديد يخرج من منطق الخوف إلى منطق المبادرة.
في الخلاصة، المسيحيون في لبنان ليسوا أمام قدر محتوم، بل أمام فرصة لإعادة صياغة دورهم التاريخي. فلبنان، بطبيعته المتنوعة، لا يمكن أن يستمر من دون حضور مسيحي فاعل، والمسيحيون، رغم كل التحديات، ما زالوا يمتلكون القدرة على التأثير إذا ما توحّدوا حول مشروع واضح. إنّ معركة الوجود يمكن كسبها إذا ترافقت الإرادة مع العمل، وإذا أدركت القيادات المسيحية أنّ الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من التشتت. فلبنان الذي كان يوماً رسالة، يحتاج اليوم إلى من يعيد إليه روحه، والمسيحيون كانوا دائماً جزءاً أساسياً من هذه الرسالة، ولا يزال بإمكانهم أن يكونوا كذلك إذا ما قرّروا المواجهة بوحدة وجرأة ورؤية.










07/13/2026 - 20:48 PM





Comments