الفيدرالية في لبنان: بين فزاعة التقسيم وأزمة الدولة

07/13/2026 - 13:59 PM

A

 

 

سيلفانا سمعان *

كيف تحوّل النقاش حول الفيدرالية إلى اتهام سياسي، بينما بقي سؤال الدولة نفسها خارج النقاش؟

هناك كلمات في السياسة اللبنانية لا تُناقش، بل تُحاكم. يكفي أن يطرح أحدهم كلمة “الفيدرالية” حتى يتحول النقاش من سؤال دستوري إلى محكمة سياسية، تُوزَّع فيها تهم التقسيم والخيانة قبل أن يكتمل شرح الفكرة نفسها. هكذا أصبحت الفيدرالية، بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، ليست نموذجاً من نماذج تنظيم الدولة، بل مرادفاً لانهيارها، وكأن مجرد التفكير فيها اعتداء على وحدة البلاد.

غير أن المفارقة تكمن في أن معظم الدول التي تُدرَّس اليوم بوصفها نماذج للاستقرار السياسي والاقتصادي ليست دولاً مركزية أصلاً، بل دول فيدرالية. الولايات المتحدة، وألمانيا، وسويسرا، وكندا، وأستراليا، وبلجيكا، كلها دول ذات سيادة واحدة، وجيش واحد، وعملة واحدة، وشخصية قانونية دولية واحدة، رغم أن سلطاتها موزعة دستورياً بين الحكومة الاتحادية والولايات أو الكانتونات أو الأقاليم. فإذا كانت الفيدرالية تعني التقسيم كما يُقال في الخطاب اللبناني، فكيف بقيت هذه الدول موحدة لعقود، بل لقرون في بعض الحالات؟

هنا يبدأ السؤال: ليست القضية الدفاع عن الفيدرالية أو مهاجمتها، بل محاولة الإجابة عن سؤال يبدو بسيطاً لكنه يكشف عمق الأزمة اللبنانية: هل يرفض اللبنانيون الفيدرالية لأنهم يعرفونها، أم لأنهم يعرفون عنها ما قيل لهم؟

دستورياً، لا تُعد الفيدرالية شكلاً من أشكال تقسيم الدول، بل أحد النماذج الدستورية لإدارة السلطة داخل الدولة الواحدة. يعرّف الفقيه الدستوري البريطاني كينيث وير، أحد أبرز منظّري الفيدرالية في القرن العشرين، الدولة الفيدرالية بأنها نظام تُقسَّم فيه السلطات بين حكومة اتحادية وحكومات إقليمية، بحيث تستمد كل منهما صلاحياتها مباشرة من الدستور، لا من تفويض السلطة الأخرى. أما الباحث الأمريكي دانيال إلازار، فيرى أن جوهر الفيدرالية ليس تفتيت الدولة، بل إقامة شراكة دستورية توازن بين الوحدة والتنوع. بمعنى آخر، الفيدرالية لا تلغي الدولة، بل تعيد توزيع وظائفها.

أما التقسيم، فهو شيء مختلف تماماً. التقسيم يعني انتهاء الدولة الواحدة وقيام دول مستقلة جديدة، لكل منها سيادتها وجيشها وحدودها وتمثيلها الدولي. إنه انتقال من وحدة قانونية إلى كيانات منفصلة، بينما تبقى الدولة الفيدرالية دولة واحدة أمام القانون الدولي، مهما اتسعت صلاحيات أقاليمها. وهذه ليست مسألة رأي سياسي، بل مسألة مستقرة في الفقه الدستوري المقارن.

فلماذا، إذاً، تُعامل الفيدرالية في لبنان كأنها مشروع انفصال؟

الجواب لا نجده في كتب القانون، بل في التاريخ السياسي اللبناني. فمنذ الحرب الأهلية، ارتبطت أي دعوة لإعادة توزيع السلطة بمخاوف التفكك الطائفي، وساهمت القوى السياسية، كل من موقعها، في ترسيخ معادلة مبسطة تقول إن الفيدرالية تعني التقسيم. ومع مرور الزمن، تحولت هذه المعادلة إلى حقيقة شبه مقدسة، رغم أنها لا تستند إلى تعريف دستوري أو قانوني.

وهنا لا بد ان نطرح سؤالاً: لماذا يُسمح في لبنان بمناقشة تعديل قانون الانتخابات، أو تعديل الصلاحيات، أو تطوير اتفاق الطائف، أو اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة، بينما يصبح مجرد طرح الفيدرالية سبباً للتخوين؟

في الديمقراطيات المستقرة، تُناقش الأفكار بالحجج، لا بالاتهامات. أما حين تتحول بعض المفاهيم إلى مناطق محظورة، فإن المشكلة لا تعود في الفكرة نفسها، بل في طبيعة المجال العام الذي لم يعد يسمح بالنقاش الحر. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بنتائج الانتخابات، بل أيضاً بقدرة المجتمع على مناقشة أكثر الأفكار حساسية من دون تحويل أصحابها إلى خصوم للدولة. لكن هذا النقاش، مهما بدا مهماً، يظل ناقصاً إذا لم يُطرح السؤال الذي يتجنبه الجميع: هل لبنان، في واقعه الحالي، دولة مركزية أصلاً؟

دستورياً، نعم. فالدستور اللبناني، بعد تعديلات اتفاق الطائف، لا يزال يؤكد وحدة الدولة، ووحدة السلطة، ووحدة المؤسسات، ويجعل الحكومة صاحبة السلطة التنفيذية، فيما تبقى السيادة غير قابلة للتجزئة. أما على أرض الواقع، فالوقائع تروي قصة مختلفة.

تقيس الدول الحديثة نفسها بمعيار بسيط: من يملك القرار النهائي؟ من يحتكر استخدام القوة المسلحة؟ من يقرر الحرب والسلم؟ من يرسم السياسة الخارجية؟ من يفرض سيادة القانون على كامل الأراضي الوطنية؟ ومن يمتلك القدرة الحصرية على تنفيذ قرارات القضاء؟

حين تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة موزعة بين أكثر من مركز قوة، لا يعود النقاش حول مركزية الدولة أو فيدراليتها هو القضية الأساسية، لأن السؤال الأول لم يُحسم بعد: أين تبدأ سلطة الدولة، وأين تنتهي؟

منذ اندلاع الأزمة المالية عام ٢٠١٩، ثم الانهيار النقدي، والانفجار الكارثي في مرفأ بيروت، وتآكل مؤسسات الإدارة العامة، لم يعد اللبنانيون يناقشون فقط كفاءة النظام، بل بدأوا يشككون في قدرة الدولة نفسها على أداء وظائفها الأساسية. وهنا عاد الحديث عن الفيدرالية إلى الواجهة، ليس لأن اللبنانيين اكتشفوا فجأة الأدبيات الدستورية المقارنة، بل لأن الثقة بالنموذج المركزي تعرضت لهزة غير مسبوقة.

غير أن هذا التطور يفرض ملاحظة قد تبدو صادمة. ربما ليست المشكلة أن لبنان قد يصبح فيدرالياً يوماً ما، بل أنه يعيش، عملياً، حالة توزيع للسلطة خارج الإطار الدستوري، من دون أن يعترف بذلك أو ينظمه. فالسلطات الفعلية موزعة، لكن المسؤولية الدستورية تبقى مركزة، ما يخلق مفارقة خطيرة: دولة تبدو مركزية على الورق، بينما تعمل وفق موازين قوى متعددة في الواقع.

ومن هنا يصبح النقاش أكثر حساسية. فجميع الدول الفيدرالية الناجحة، من سويسرا إلى ألمانيا وكندا، تشترك في قاعدة دستورية لا تقبل الاستثناء: تحتكر الدولة الاتحادية السيادة، والدفاع الوطني، والعلاقات الخارجية، والعملة، وحماية الحدود. تستطيع الولايات أو الكانتونات إدارة التعليم والصحة والضرائب المحلية، لكنها لا تمتلك جيوشاً مستقلة، ولا تفاوض الدول الأجنبية، ولا تحدد منفردة سياسات الأمن القومي.

لذلك، فإن أي نقاش جدي حول الفيدرالية في لبنان لا يمكن أن يبدأ من رسم حدود الأقاليم أو توزيع الصلاحيات، بل: هل يمكن قيام أي نظام فيدرالي في دولة لا تحتكر بصورة كاملة أدوات السيادة؟

هذا ليس سؤالاً سياسياً، بل سؤال دستوري بامتياز. لأن الفيدرالية لا تُبنى على تعدد مصادر القوة، بل على وحدة السيادة وتوزيع الإدارة. ومن هذا المنطلق، ينتقل النقاش من تعريف الفيدرالية إلى اختبار مدى قابليتها للتطبيق في الواقع اللبناني. فأنصار الفيدرالية ينطلقون من فرضية تبدو للوهلة الأولى منطقية: إذا أثبتت الدولة المركزية، على امتداد عقود، عجزها عن إدارة البلاد، فلماذا لا يُعاد توزيع السلطة بحيث تدير المناطق شؤونها بنفسها؟

ويستند هؤلاء إلى وقائع يصعب إنكارها. فالإنفاق العام تركز تاريخياً في العاصمة، فيما بقيت مناطق واسعة تعاني فجوات تنموية وخدماتية كبيرة. كما أن المركزية الإدارية، بدلاً من أن تحقق المساواة، تحولت تدريجياً إلى أداة لتكريس الزبائنية السياسية وربط الخدمات الأساسية بموازين النفوذ داخل السلطة المركزية. ويضيف المؤيدون أن منح الأقاليم صلاحيات أوسع قد يؤدي إلى إدارة أكثر كفاءة للموارد، ويخلق منافسة بين الإدارات المحلية لتحسين الخدمات، ويخفف الضغط عن الحكومة المركزية، ويقرب القرار من المواطنين. وهي حجج تجد سنداً في تجارب دول فيدرالية عديدة، حيث أصبحت الحكومات المحلية مختبرات للسياسات العامة، تتنافس في جودة التعليم والرعاية الصحية والاستثمار والبنية التحتية.

لكن هل تكفي هذه الحجج لنقل النموذج إلى لبنان؟ ليس بالضرورة.فالأنظمة الدستورية لا تُستورد كما تُستورد القوانين. وما ينجح في دولة قد يفشل في أخرى إذا اختلفت البيئة السياسية والمؤسساتية التي يعمل فيها.

وهنا تظهر إحدى أكثر المغالطات شيوعاً في النقاش اللبناني: مقارنة لبنان بسويسرا. في كل مرة يُطرح فيها موضوع الفيدرالية، تُستحضر سويسرا بوصفها المثال المثالي. لكن المقارنة غالباً ما تتوقف عند النتيجة، لا عند الأسباب التي أنتجتها.

فسويسرا لم تصبح مستقرة لأنها اعتمدت الفيدرالية، بل استطاعت إنجاح الفيدرالية لأنها بنت، على مدى قرون، مؤسسات تتمتع بشرعية عالية، وقضاء مستقلاً، وإدارة فعالة، وثقافة سياسية قائمة على التسويات والديمقراطية المباشرة واحترام القانون. الفيدرالية هناك لم تكن علاجاً لانهيار الدولة، بل كانت إحدى أدوات إدارة دولة مستقرة أصلاً.

أما بلجيكا، فتقدم درساً أكثر قرباً من الواقع اللبناني. فهي دولة تضم انقسامات لغوية وثقافية عميقة بين الفلمنكيين والوالونيين، ومع ذلك لم تلجأ إلى الانفصال، بل أعادت هندسة الدولة تدريجياً عبر ستة إصلاحات دستورية متعاقبة منذ سبعينيات القرن الماضي، تحولت خلالها من دولة مركزية إلى دولة فيدرالية. وقد مُنحت الأقاليم والمجتمعات اللغوية صلاحيات واسعة في مجالات التعليم والثقافة والاقتصاد، بينما بقيت السيادة والدفاع والسياسة الخارجية من اختصاص الدولة الاتحادية. لكن بلجيكا لا تقدم قصة نجاح مطلقة. فالفيدرالية لم تُنهِ أزماتها السياسية، ولم تمنعها من تسجيل أرقام قياسية عالمية في فترات الفراغ الحكومي، إذ بقيت البلاد أحياناً مئات الأيام من دون حكومة اتحادية كاملة الصلاحيات. وهذا يؤكد حقيقة غالباً ما يغفلها الخطاب اللبناني: الفيدرالية ليست علاجاً سحرياً، بل آلية لتنظيم السلطة، قد تخفف بعض الأزمات لكنها لا تلغي الانقسامات السياسية أو الثقافية.

وفي المقابل، يستند الرافضون للفيدرالية إلى مجموعة من المخاوف لا يجوز الاستخفاف بها.

أول هذه المخاوف أن تتحول الفيدرالية، في بلد يقوم نظامه السياسي أصلاً على التوازنات الطائفية، إلى إطار دستوري يكرس الانقسام المذهبي بدلاً من تجاوزه. كما يخشى آخرون من اتساع الفجوة الاقتصادية بين المناطق، بحيث تستفيد الأقاليم الأكثر قدرة مالياً، فيما تتراجع المناطق الأفقر أكثر فأكثر، إذا لم تتوافر آليات فعالة لإعادة توزيع الموارد بين الأقاليم، كما هو معمول به في عدد من الدول الفيدرالية. ويطرح معارضون أيضاً سؤالاً: كيف يمكن رسم حدود الأقاليم في لبنان من دون أن تتحول العملية نفسها إلى نزاع سياسي أو ديموغرافي جديد؟ وهل يمكن فعلاً فصل الاعتبارات الإدارية عن التوازنات الطائفية في بلد ما زالت فيه الهوية السياسية مرتبطة إلى حد كبير بالانتماء الطائفي؟

هذه ليست أسئلة دعائية، بل تحديات حقيقية ينبغي على أي مشروع فيدرالي أن يقدم إجابات واضحة عنها.

لكن هذا النقاش يقود إلى سؤال آخر، أكثر إزعاجاً، يكاد يغيب عن النقاش العام: إذا كان اتفاق الطائف، الذي لا يزال يشكل الإطار الدستوري الناظم للجمهورية اللبنانية، قد نص صراحة على اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة، فلماذا بقي هذا البند، بعد أكثر من ثلاثة عقود، من دون تنفيذ فعلي؟

هل كانت المشكلة في النص؟ أم في غياب الإرادة السياسية؟ أم لأن المركزية نفسها تحولت إلى مصدر نفوذ يصعب على القوى السياسية التخلي عنه؟

يصعب تجاهل أن النظام المركزي في لبنان لم يكن مجرد هيكل إداري، بل كان أيضاً وسيلة للتحكم بالموارد العامة، والتعيينات، والإنفاق، والاستثمارات، والخدمات، بما يسمح للنخب السياسية باستخدام الدولة لتعزيز شبكات الولاء السياسي. ومن هذا المنظور، فإن أي إعادة توزيع حقيقية للسلطة والموارد، سواء عبر اللامركزية أو الفيدرالية، لا تمثل مجرد تعديل إداري، بل تمس توازنات القوة داخل النظام نفسه.

وهنا تبرز مفارقة لافتة. ربما لم تكن “فزاعة التقسيم” تُستخدم دائماً لمواجهة الفيدرالية وحدها، بل أيضاً لإغلاق النقاش حول أي إصلاح يعيد توزيع السلطة خارج المركز. وهذا يقود إلى السؤال الذي ربما يزعج الطبقة السياسية أكثر من سؤال الفيدرالية نفسه: من يربح من استمرار المركزية؟

غير أن الوصول إلى هذا السؤال يقود بدوره إلى النقطة الأعمق في النقاش اللبناني. فالقضية لا تتعلق فقط بما إذا كانت الفيدرالية نموذجاً ناجحاً أو فاشلاً، بل بما إذا كانت الأزمة اللبنانية أصلاً أزمة نظام. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، عُدّل الدستور، وأُعيد توزيع الصلاحيات بين الرئاسات بموجب وثيقة الوفاق الوطني، وأُقرت إصلاحات دستورية وإدارية عديدة، لكن أياً منها لم يمنع الانهيار المالي، أو يحل أزمة القضاء، أو يوقف تآكل مؤسسات الدولة، أو يحصّن الإدارة العامة من المحاصصة والفساد.

وهنا يصبح من المشروع طرح السؤال  في النقاش اللبناني: هل أزمة لبنان دستورية، أم أن الدستور لم يُطبَّق أصلاً؟

يصعب الدفاع عن فكرة أن المشكلة تكمن حصراً في شكل النظام، فيما بقيت بنود أساسية من الدستور واتفاق الطائف معلقة أو مطبقة بصورة انتقائية. فاللامركزية الإدارية الموسعة، التي نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني، لم تُنفذ. ومجلس الشيوخ، الذي نص عليه الدستور بعد تعديلات الطائف كجزء من مسار إلغاء الطائفية السياسية، لم يُنشأ. كما أن بناء الدولة المدنية بقي وعداً مؤجلاً، فيما استمرت المحاصصة الطائفية في التوسع بدلاً من الانحسار.

وهذا يقود إلى استنتاج لا يريح أنصار الفيدرالية ولا خصومها. فإذا كان النظام القائم لم يُطبَّق بالكامل، فمن الصعب الجزم بأن استبداله بنظام آخر سيغيّر النتائج تلقائياً. فالمشكلة قد لا تكون في النصوص بقدر ما تكمن في العلاقة بين النصوص وموازين القوى التي تحكم تطبيقها.

ويقدم التاريخ الدستوري دروساً واضحة في هذا المجال. فلم تتحول ألمانيا إلى قوة مؤسساتية بسبب الفيدرالية وحدها، بل لأن دستورها بعد الحرب العالمية الثانية ارتكز على مؤسسات مستقلة، وقضاء دستوري قوي، وآليات رقابة متبادلة. ولم تنجح كندا في إدارة التعدد اللغوي والثقافي لأنها اختارت الفيدرالية فحسب، بل لأنها بنت ثقافة تفاوض سياسي سمحت باستيعاب الأزمات داخل المؤسسات. وحتى بلجيكا، رغم نجاحها في منع الانقسام، ما زالت تعاني تعقيدات سياسية مزمنة تؤكد أن الفيدرالية لا تلغي الخلافات، بل توفر إطاراً دستورياً لإدارتها.

وفي المقابل، تقدم تجارب أخرى، مثل العراق، درساً مختلفاً. فقد نص دستور عام ٢٠٠٥ على نظام فيدرالي، لكن استمرار التوترات السياسية، والخلافات حول توزيع الصلاحيات والموارد، وتعدد مراكز القوة، أظهر أن النص الدستوري، مهما بلغت دقته، لا يستطيع وحده إنتاج دولة مستقرة إذا لم تُحسم مسألة احتكار السلطة والسيادة.

وهنا تكمن النقطة التي كثيراً ما يغفلها النقاش اللبناني. ليست الفيدرالية ضمانة للنجاح، كما أنها ليست وصفة للتقسيم. إنها أداة دستورية، ونجاح الأدوات يتوقف على البيئة التي تعمل فيها. فالمشرط، في يد الجراح، ينقذ حياة إنسان، وفي يد شخص آخر قد يتحول إلى أداة قتل. الأداة واحدة، لكن النتيجة تحددها المؤسسات والقواعد والشرعية، لا الاسم الذي نحمله لها. لذلك، فإن اختزال النقاش اللبناني في سؤال: “هل أنت مع الفيدرالية أم ضدها؟” هو، في حد ذاته، اختزال مضلل.

لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده يتجاوز حدود الفيدرالية نفسها، ليصل إلى طبيعة الأزمة اللبنانية: هل يستطيع أي نظام سياسي، أياً كان اسمه، أن ينجح في ظل غياب احتكار الدولة الكامل للسيادة والسلاح، وفي ظل ضعف استقلال القضاء، وغياب المساءلة، واستمرار الاقتصاد الريعي، وهيمنة شبكات الزبائنية على الإدارة العامة؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن تغيير شكل الدولة لن يكون سوى إعادة رسم للمؤسسات فوق الأسس نفسها التي أنتجت الأزمة. وربما لهذا السبب، أخطأ اللبنانيون، طوال سنوات، في السؤال.

لم يكن السؤال يوماً: هل نريد الفيدرالية؟ بل كان: أي دولة نريد؟ هل نريد دولة يكون فيها الدستور المرجعية العليا، أم دولة تتقدم فيها موازين القوى على النصوص؟ هل نريد مؤسسات تحتكر السلطة وفق القانون، أم سلطات متوازية تفرض وقائعها خارج إطار الدولة؟ وهل يمكن أصلاً أن ينجح أي نموذج دستوري قبل الإجابة عن هذه الأسئلة؟

عند هذه النقطة، تتراجع الفيدرالية من كونها القضية الأساسية إلى كونها مجرد احتمال دستوري بين احتمالات عدة. أما القضية، فهي الدولة نفسها. ولهذا، ربما لا تكمن المشكلة الكبرى في أن اللبنانيين يختلفون حول الفيدرالية، بل في أنهم لم يتفقوا بعد على تعريف الدولة التي يريدونها.

فالنقاش حول هندسة المنزل يفقد معناه عندما تكون أساساته موضع نزاع.

 

* متخصصة في العلاقات الدولية والدبلوماسية، مستشارة استراتيجية في الوساطة والقيادة، خبرة في منظومة الأمم المتحدة والحكومات والتواصل مع أصحاب المصلحة العالميين

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment