رشيد ج. مينا
"إن الانتقال من وضعية إلى أخرى يحمل معه تغييرًا في الرؤية والاستيعاب، ويقرب الإنسان من الحقيقة، مع الإيمان بأن الحقيقة المطلقة لا يدركها ولا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى."
كان للرحلتين السابقتين، من نافذة الطائرة ومن نافذة السفينة، أثرٌ عميق في نفسي، دفعاني إلى رحلة ثالثة، أكثر التصاقًا بالواقع وأقرب إلى الإنسان. فإذا كانت الطائرة قد منحتني رؤية من الأعلى، والسفينة حملتني إلى عمق التاريخ وتقلباته، فإن نافذة السيارة والباص والقطار قادتني إلى أعماق الحياة اليومية، حيث يعيش الإنسان تفاصيل واقعه بكل ما يحمله من معاناة وآمال.
هي ليست رحلة في الخيال، ولا استعادةً لذكريات بعيدة منفصلة عن الحاضر، بل رحلة متصلة، تتقاطع فيها المشاهد مع الذاكرة، وتمتزج فيها الخبرة الشخصية بالتأمل، حتى يصعب التمييز أين ينتهي الماضي وأين يبدأ الحاضر. وأنا أتنقل بين المدن والقرى، وبين العواصم العربية التي زرتها عبر سنوات طويلة، كنت أراقب الناس أكثر مما أراقب الطرق. فالطرق مهما تعددت تبقى حجارة وإسفلتًا، أما الإنسان فهو الحكاية الحقيقية لكل وطن.
رأيت المواطن العربي في لهاثه اليومي خلف لقمة العيش، وكأن همّه الأول والأخير أن يؤمّن الحد الأدنى من الحياة لعائلته، غير عابئ كثيرًا بمن يحكم أو بمن يتحكم بمفاصل السلطة، لأنه فقد ثقته منذ زمن طويل بأن تغيّر الحكومات قادر على تغيير واقعه. ورأيت كيف يتحول الخوف إلى أسلوب حياة.
ذلك المواطن الذي يدفع الرشوة وهو يعلم أنه لم يرتكب مخالفة، فقط كي يتجنب إهانة أو تعطيلًا أو شبهة قد تلاحقه. وآخر يلجأ إلى تهريب بضع علب من السجائر أو بعض قناني المشروبات، فيوزعها على ركاب الحافلة قبل الوصول إلى نقطة التفتيش، ثم يعود لجمعها بعد تجاوزها، في مشهد يختصر حجم التشوه الذي يصيب علاقة الإنسان بالقانون عندما يفقد ثقته بعدالته.
هناك، لا يشعر الإنسان بأنه صاحب حق، بل بأنه متهم حتى تثبت براءته. وترى الخوف في عينيه كلما لمح رجل أمن، أو شرطيًا، أو حتى مخبرًا مجهولًا، ليس لأنه يخشى العقوبة على خطأ ارتكبه، بل لأنه لا يثق بأن القانون يحميه، ولا بأن العدالة ستنصفه.
وفي كثير من البلدان العربية، يقطع الإنسان مئات الكيلومترات بحثًا عن عمل يوفّر لعائلته الحد الأدنى من الحياة الكريمة، بينما يستهلك من عمره وصحته أكثر مما يجنيه من رزقه. يسافر في وسائل نقل تبدو حديثة في شكلها، لكنها تفتقر إلى أبسط مقومات الراحة والسلامة، ويستريح في محطات ودورات مياه لا تليق بكرامة الإنسان، فضلًا عن أن تكون مرفقًا عامًا في دولة تسعى إلى احترام مواطنيها.
كنت أشاهد مدنًا تتوسطها أبنية شاهقة وفنادق فاخرة، لكن ما إن تبتعد عنها قليلًا حتى تواجه أحياءً يلفها الفقر والإهمال، فتشعر بأن الحداثة لم تكن إلا واجهة تخفي خلفها واقعًا اجتماعيًا مؤلمًا.
وكان السؤال يرافقني دائمًا... كيف لأمة تمتلك هذه الثروات، وهذا الموقع الجغرافي، وهذه الطاقات البشرية، وهذا التاريخ، أن تبقى أسيرة الجهل والفقر والتخلف؟ وهل المشكلة في الإمكانات... أم في طريقة إدارتها؟
تمر في الذاكرة رحلة برية قمت بها بين مدينتي مونتريال وأوتاوا في كندا. كانت الرحلة طويلة، لكنك لا تشعر بثقلها. وسيلة نقل مريحة، وركاب هادئون، بعضهم يقرأ كتابًا، وآخر يتأمل الطريق، ولا ضجيج يبدد هدوء المكان.
أما أنا، فكنت مأخوذًا بجمال الطبيعة الممتدة خلف نافذة الحافلة. غابات كثيفة، وبحيرات تتداخل مياهها مع الأشجار، وطرقات نظيفة، وإشارات واضحة، وانسيابية في حركة السير، فلا تشعر بالخوف من تهور سائق، ولا من حفرة مفاجئة، ولا من حاجز طارئ، ولا من تعدٍّ على الطريق. ولم يكن ما شد انتباهي جمال الطبيعة وحده، بل حضور الدولة في كل تفصيل، حتى بدت وكأنها تعمل بصمت، فلا يشعر المواطن بثقلها، لكنه يلمس أثرها في كل ما يحيط به.
عندها أدركت أن الفارق الحقيقي بين المجتمعات لا تصنعه الطبيعة وحدها، بل تصنعه أيضًا الإدارة، واحترام القانون، وبناء المؤسسات، وتكافؤ الفرص، والشعور بأن الإنسان مصان الكرامة، وأن الدولة وجدت لخدمته، لا ليعيش في خوف دائم منها.
عاد بي الطريق إلى لبنان...
لكن هذه المرة لم تكن نافذة السيارة تكشف لي جمال الطبيعة بقدر ما كانت تكشف لي واقعًا يختصر قصة وطن بأكمله.
منذ الكيلومترات الأولى، تبدأ هوية كل منطقة بالإعلان عن نفسها. هنا تسبقك رايات الأحزاب، وهناك تستقبلك الصور العملاقة للزعماء، وفي مكان آخر تطغى الرموز الدينية والطائفية والمذهبية، حتى يكاد الانتماء الوطني يتراجع أمام الانتماءات الفرعية. وكأن الطريق لا يربط بين مناطق وطن واحد، بل يعبر بين جزر متجاورة، لكل منها مرجعيتها، وخطابها، ورمزيتها الخاصة.
وتتوالى المشاهد...
تفاوت واضح بين منطقة وأخرى في التنظيم، والنظافة، والبنية التحتية، وحركة الاقتصاد، وحتى في السلوكيات العامة. في مكان تشعر أن ما تبقى من الدولة ما زال حاضرًا، وفي مكان آخر يبدو وكأن الدولة لم تمر من هناك منذ سنوات طويلة.
لكن، هل الأمر غريب؟
في الحقيقة، ليس غريبًا على وطن فقد فيه المواطن، منذ عقود، ثقته بوجود الدولة. فالوجود الفعلي لم يعد للمؤسسات، بل لقوى الأمر الواقع، وأصحاب النفوذ والسلاح، ولمن ارتبطت مصالحهم بوصاية هذا المحور أو ذاك، وبمشاريع تتجاوز حدود الوطن. ومن نافذة السيارة، تتوالى صور الفوضى.
تعديات على الأملاك العامة والخاصة، وأرصفة احتلتها المحال التجارية، وورش صناعية وحرفية تتداخل مع الأبنية السكنية، وفوضى عمرانية لا تخضع لتخطيط أو رؤية، حتى بدا وكأن كل فرد يبني عالمه الخاص بمعزل عن أي مفهوم للمصلحة العامة. ومع كل مشهد، كان سؤال واحد يرافقني:
هل اعتاد الناس هذا الواقع حتى أصبح جزءًا من حياتهم، أم أن اليأس أفقدهم القدرة على الاعتراض؟
كيف يصبح قتل إنسان بسبب أفضلية المرور، أو خلاف على موقف سيارة، أو رصاصة طائشة في حفل زفاف أو مناسبة عائلية، خبرًا عابرًا لا يثير إلا لحظات من الاستنكار، قبل أن يطويه النسيان؟
كيف يصل الأمر إلى أن تُهان امرأة في الشارع، أو يُعتدى على طفل، أو يُمارس العنف داخل الأسرة، أو تنتشر المخدرات بين الشباب، دون أن تهتز الضمائر بالقدر الذي يفرض مواجهة هذا الانحدار؟ ثم تمر السيارة عند تقاطع طرق...
أطفال يبيعون الماء، أو المناديل الورقية، أو الورود، وآخرون يتسولون تحت إدارة عصابات تستغل براءتهم، بينما تمر السيارات من حولهم وكأن هذا المشهد أصبح جزءًا من المشهد الطبيعي للمدينة.
أي مجتمع يقبل أن تكون طفولة أبنائه معروضة على الأرصفة؟ وأي مستقبل يمكن أن يُبنى إذا بدأ الإنسان حياته محرومًا من أبسط حقوقه؟
ثم يأتي مشهد آخر... مقاهٍ مكتظة، وشاشات عملاقة، وجماهير غارقة في متابعة مباراة لكرة القدم، أو في متابعة صراعات العالم، وأخبار البورصات، والحروب، والطقس، وكأنها تملك القدرة على تغيير مسارها، بينما يعجز كثيرون عن تغيير أبسط تفاصيل واقعهم اليومي.
ينتهي اللقاء الرياضي، وقد ينتهي معه شجار بين مشجعين، ثم يعود الجميع إلى منازلهم، ليستيقظوا في صباح اليوم التالي على الهموم نفسها، والسعي ذاته وراء لقمة العيش، والدوران في الحلقة نفسها، دون أن يقتربوا خطوة واحدة من معالجة أسباب أزماتهم الحقيقية. وأنا أتابع الطريق، عادت بي الذاكرة إلى عقود مضت.
لقد سلكت هذه الطرق نفسها قبل سنوات طويلة. لكنني كنت أرى مجتمعًا مختلفًا، أكثر هدوءًا، وأكثر احترامًا للقيم، وأكثر ثقة بالمستقبل. أما اليوم، فأشعر أن ما تغير ليس الطرق وحدها، بل الإنسان أيضًا. فكيف وصلنا إلى هنا؟
لا أعتقد أن ما نعيشه قدر محتوم، ولا نتيجة ظرف واحد، بل هو حصيلة تراكم طويل من غياب الدولة، وضعف المؤسسات، وتشويه الممارسة الديمقراطية، وتراجع التعليم، واتساع الفقر، وغياب الضمانات الاجتماعية، وهدم منظومة القيم، وانتشار الجهل، وفقدان الأمل، حتى أصبح كثير من الناس يعيشون يومهم، دون أن يملكوا رؤية لغد أفضل.
لكن، ورغم كل ذلك، ما زلت أؤمن أن العودة ممكنة. فالإنسان الذي استطاع أن يبني الحضارات، قادر على إعادة بناء وطنه، متى امتلك الإرادة، وتحرر من الخوف، ومن التبعية، ومن ثقافة الاستسلام.
إن العودة إلى الطبيعة الإنسانية السليمة، لا تبدأ بإصلاح الطرق، ولا بتشييد الأبنية، ولا بالشعارات، بل تبدأ باستعادة مفهوم الدولة، وترسيخ المواطنة، وبسط السيادة على كامل الأرض، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتحرير القرار الوطني من كل وصاية أو تبعية، وإطلاق مشروع وطني شامل يعيد بناء المؤسسات على أسس الكفاءة والعدالة وسيادة القانون.
كما تبدأ بإحياء ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف، وتطوير النظام السياسي بما يرسخ الانتماء الوطني، ويجعل التنوع مصدر غنى وقوة، لا وسيلة للانقسام والصراع، وببناء اقتصاد منتج، يحظى بدعم عربي فاعل، يفتح أمام الشباب أبواب العمل والأمل، بدل أن يدفعهم إلى الهجرة أو اليأس.
انتهت الرحلة... وتوقفت السيارة. لكن نافذة الطريق بقيت مفتوحة في داخلي.
لقد أدركت أن الطرق يمكن تعبيدها، والمدن يمكن إعادة إعمارها، والمؤسسات يمكن إصلاحها، أما الإنسان، فهو المشروع الأصعب، والأطول، والأكثر أهمية. فالطريق إلى الوطن لا يبدأ من الإسفلت... بل يبدأ من الإنسان. ومن الإنسان... تبدأ الدولة.












07/13/2026 - 14:52 PM





Comments