حين تشكر الضحية جلّادها

07/12/2026 - 01:07 AM

Arab American Target

 

 

مفيد خطّار

في كلّ مرّة تنتهي فيها جولةٌ من الحروب والصراعات في لبنان، يعود السؤال نفسه: كيف يُقاس الانتصار؟ أبالشعارات التي تُرفع والخطابات التي تُلقى، أم بالنتائج التي تتركها الحرب في حياة الناس والدولة؟

اليوم، وبينما لا تزال آثار الدمار والتهجير والانهيار الاقتصادي ماثلةً أمام اللبنانيين، يعود خطاب الانتصار إلى الواجهة بقوّة. وليس الخلاف في حقّ أيّ طرف في قراءة الأحداث من زاويته السياسية، بل في تحويل تلك القراءة إلى حقيقةٍ مطلقة لا تقبل النقاش أو المراجعة.

فالانتصار ليس روايةً تُفرض، ولا شعارًا يُكرَّر، بل حقيقةٌ تُثبتها الوقائع. والحروب لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تخلّفه من أمنٍ واستقرار، وبما تعزّزه من سيادة الدولة، وتحسّنه في حياة المواطنين. أمّا حين تكون الحصيلة مزيدًا من الضحايا، واتساعًا في رقعة الدمار، وتعميقًا لأزمات الوطن، فإنّ من حقّ الناس، بل من واجبهم، أن يسألوا: أين يكمن الانتصار؟ وبأيّ معيارٍ يُقاس؟

لقد وجد آلاف اللبنانيين أنفسهم يدفعون أثمانًا باهظة خلال العقود الماضية. قدّموا أبناءهم، وخسروا منازلهم وأرزاقهم، وتحملوا أعباء المواجهات، فيما بدا أنّ القرار الذي رسم مسار تلك الصراعات تجاوز، في كثيرٍ من الأحيان، حدود المصلحة اللبنانية المباشرة، وارتبط بحساباتٍ إقليمية أوسع، لم يكن للبنانيين تأثيرٌ حقيقيّ فيها، رغم أنّهم كانوا الأكثر تحمّلًا لكلفتها.

لذلك، لا تكمن القضية في إعلان هذا الطرف أو ذاك انتصاره؛ فإعلان النصر لا يحتاج إلى أكثر من خطاب، أمّا إثباته فيحتاج إلى وطنٍ أكثر سيادة، ودولةٍ أكثر حضورًا، ومواطنٍ أكثر أمنًا وكرامة. والسؤال الذي لا يجوز الهروب منه هو: ماذا ربح لبنان؟ هل ازدادت سيادته؟ هل ترسّخ استقراره؟ هل تحسّنت حياة أبنائه؟ أم أنّ الدولة ازدادت ضعفًا، وتراجع قرارها، وتعاظمت أزماتها؟

المجتمعات الحيّة لا تخشى مراجعة تجاربها، لأنّ المراجعة ليست اعترافًا بالهزيمة، بل شرطًا للنضج والتعلّم وتجنّب تكرار الأخطاء. أمّا حين يتحوّل النقاش إلى محرَّم، والمساءلة إلى اتّهام، والرأي المختلف إلى شبهة، فإنّ الحقيقة تصبح الضحية الأولى، ويغدو تكرار الرواية أهمّ من اختبارها على ضوء الواقع.

وليس المطلوب إنكار التضحيات، بل صونها. وصون التضحيات لا يكون بتحويلها إلى حصانةٍ تمنع الأسئلة، بل بالوفاء لمن دفعوا الثمن، عبر الجرأة على مراجعة الخيارات التي قادت إلى تلك التضحيات. فالدم الذي يُقدَّم من أجل الوطن يستحقّ أن يُصان بالحقيقة، لا أن يُستثمر في منعها.

والمفارقة الأكثر إيلامًا أنّ بعض الضحايا يُدفَعون، بفعل التعبئة المستمرّة، أو الولاءات المتراكمة، أو الخوف من الاعتراف بالخطأ، إلى الدفاع عن الخيارات التي حمّلتهم أثقالها، وتبنّي الرواية التي تبرّر مأساتهم. وهنا لا تقتصر الخسارة على الأرواح والممتلكات، بل تمتدّ إلى الوعي نفسه؛ فيصبح السؤال خيانة، والمراجعة ضعفًا، والاعتراف بالواقع هزيمة.

في لبنان اليوم، لم يعد السؤال: من أعلن النصر؟ بل: ماذا بقي من الوطن بعده؟ فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تحفظها الروايات المغلقة، بل تحميها الحقيقة، وتصونها المراجعة، وتنهض بها الدولة. وعندما يبلغ تضليل الوعي حدّ أن تشكر الضحية جلّادها، تكون الهزيمة قد تجاوزت ميادين الحرب لتستقرّ في العقول، وهي أخطر الهزائم جميعًا.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment