بقلم: فرنسوا الجردي
لم يعد ما يجري في قطاع التربية مجرد خطأ في الإدارة أو سوء تقدير في اتخاذ القرارات، بل أصبح مسألة تمس جوهر العدالة الاجتماعية وحق كل طالب في تكافؤ الفرص. فالقرار باعتماد علامات الفصل الأول كجزء أساسي من التقييم، في ظل الظروف الاستثنائية التي عاشها لبنان، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل قرارًا ستكون له تداعيات خطيرة على آلاف الطلاب، ولا سيما طلاب المدرسة الرسمية الذين سيدفعون الثمن الأكبر.
إن التلميذ، الذي يفترض أن يكون محور العملية التربوية، أصبح الضحية الأولى لسلسلة من القرارات المرتجلة والمتناقضة. فبدل أن تسعى الدولة إلى حماية حقه في التعليم العادل، وجد نفسه رهينة حسابات وقرارات لم تراعِ الواقع الذي عاشه خلال العام الدراسي.
وجوهر المشكلة لا يكمن في الامتحانات الرسمية بحد ذاتها، بل في اعتماد علامات الفصل الأول معيارًا أساسيًا في احتساب النتيجة النهائية. فالفصل الأول جرى في ظروف غير طبيعية، حيث عاش لبنان الحرب، والنزوح، والانقطاع عن الدراسة، والضغوط النفسية والمعيشية التي انعكست مباشرة على أداء الطلاب. أما الفصل الثاني، فقد منح آلاف الطلاب فرصة لاستعادة توازنهم وتعويض ما فاتهم، كما درجت العادة في النظام التربوي اللبناني، حيث يكون الامتحان النهائي الفرصة الحقيقية لإثبات المستوى العلمي. لكن هذا القرار سلبهم تلك الفرصة، وحوّل ظروفًا قاهرة خارجة عن إرادتهم إلى عنصرٍ يؤثر في مستقبلهم الأكاديمي.
والأخطر أن هذا القرار أصاب المدرسة الرسمية في الصميم. فطلابها ليسوا كغيرهم من حيث الإمكانات والظروف. إنهم أبناء العائلات الكادحة التي لا تستطيع تأمين الدروس الخصوصية، وأبناء المناطق التي عانت من الحرب والنزوح والانقطاع المتكرر عن التعليم، وأبناء الأزمة الاقتصادية الذين يدركون أن الجامعة اللبنانية هي أملهم الوحيد لمتابعة تعليمهم، لذلك كانوا يعتمدون دائمًا على جهدهم في نهاية العام الدراسي لتعويض أي تعثر سابق وتحقيق المعدلات التي تؤهلهم للنجاح.
لكن هذا الأمل جرى تقويضه بقرار لم يأخذ في الاعتبار الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الطلاب، ولم يراعِ مبدأ المساواة الذي يفترض أن يكون أساس أي سياسة تربوية عادلة.
أما طلاب المدارس الخاصة، فغالبيتهم استفادوا من ظروف تعليم أكثر استقرارًا، ومن إمكانات تعليمية ومادية أفضل، ومن متابعة يومية ودروس إضافية، ما يجعل مقارنة نتائجهم بنتائج طلاب المدرسة الرسمية أمرًا يفتقر إلى العدالة والإنصاف.
كان من واجب وزارة التربية أن تبحث عن حلول استثنائية تتناسب مع الظروف الاستثنائية التي مر بها لبنان، لا أن تعتمد مقاربة واحدة تطبق على الجميع وكأن البلاد لم تشهد حربًا ونزوحًا وانقطاعًا عن الدراسة وأزمات معيشية خانقة.
وكان مجلس الوزراء، باعتباره السلطة التنفيذية العليا، مطالبًا بأن يتدخل لمعالجة هذا الملف بحكمة وعدالة، وأن يوازن بين المحافظة على المستوى الأكاديمي وبين حماية حقوق الطلاب. إلا أن ما حصل عكس غياب رؤية وطنية شاملة، وترك وزارة التربية تتحمل مسؤولية قرارات أثارت انقسامًا واسعًا واعتراضات كبيرة في الأوساط التربوية والأهلية.
إن العدالة في التعليم لا تعني مساواة شكلية بين طلاب يعيشون ظروفًا مختلفة جذريًا، بل تعني توفير الفرصة الحقيقية لكل طالب ليُقيَّم وفق ظروف عادلة ومتكافئة. فتكافؤ الفرص لا يتحقق بالنصوص والشعارات، بل بالقرارات التي تراعي الواقع وتحمي الفئات الأكثر ضعفًا.
إن ما يجري اليوم يهدد ما تبقى من ثقة اللبنانيين بالتعليم الرسمي، الذي كان على مدى عقود السلم الاجتماعي والمصعد الذي أوصل آلاف أبناء الفقراء إلى الجامعات والمهن والإدارات العامة. وإذا فقدت المدرسة الرسمية دورها في تحقيق العدالة الاجتماعية، فإن الدولة تكون قد تخلت عن إحدى أهم مسؤولياتها الوطنية.
ومن هنا، نتوجه بنداء صادق إلى فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بصفته حامي الدستور ورمز وحدة الوطن والساهر على حسن عمل المؤسسات. فخامة الرئيس، إن آلاف طلاب المدرسة الرسمية يناشدونكم التدخل لإنصافهم، لأن جوهر الظلم الذي وقع عليهم يتمثل في اعتماد علامات الفصل الأول، رغم أن هذا الفصل جرى في ظروف استثنائية فرضتها الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، بينما حُرموا من أن يكون الامتحان النهائي الفرصة الحقيقية لتعويض ما فاتهم وإثبات قدراتهم العلمية.
إننا نضع هذا الملف بين أيديكم، لأن العدالة هي أساس الدولة، ولأن أبناء المدرسة الرسمية يستحقون أن يشعروا بأن دولتهم لم تتخلَّ عنهم. إن تدخلكم، ضمن الصلاحيات التي يتيحها الدستور، لإعادة النظر في هذا القرار، سيكون رسالة أمل لعشرات آلاف الطلاب الذين يشعرون اليوم بأنهم الحلقة الأضعف، وأن مستقبلهم أصبح رهينة قرار لم يراعِ ظروفهم الاستثنائية.
ليست القضية قضية علامات أو آلية احتساب فحسب، بل قضية مستقبل جيل كامل. فالطلاب ليسوا أرقامًا في جداول إدارية، بل هم أبناء هذا الوطن، وهم الاستثمار الحقيقي للبنان. وأي قرار تربوي لا يضع مصلحتهم فوق كل اعتبار هو قرار يحتاج إلى مراجعة.
إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل امتلاك الشجاعة لتصحيح المسار. فما زال بإمكان الدولة أن تعيد النظر في القرارات التي أثارت هذا الظلم، وأن تضع معايير أكثر عدالة تراعي اختلاف الظروف وتحفظ حقوق جميع الطلاب، ولا سيما طلاب المدرسة الرسمية الذين كانوا، ولا يزالون، الحلقة الأضعف والأكثر تضررًا.
فالدول تُقاس بعدالة تعليمها قبل أي شيء آخر، لأن المدرسة ليست مجرد مؤسسة تربوية، بل هي ميزان العدالة الاجتماعية. وإذا انكسر هذا الميزان، فلن يكون الخاسر طلاب المدرسة الرسمية وحدهم، بل لبنان بأسره، الذي يخسر يومًا بعد يوم أهم ثرواته: شبابه وأمله ومستقبله.











07/11/2026 - 14:02 PM





Comments