"أزعر"...بقداسة!

07/11/2026 - 03:42 AM

Your Ad Here

 

 

 

"تلك ليست حكاية "أزعر بلباس زيتي"...هي فقط حكاية رجل كتب فصلاً من تاريخه بالدم، وأكمله بالإيمان".

 

كارين القسيس

توقفت أمام هاتين الصورتين. لم أرَ رجلاً تبدّل بين زمنين، بقدر ما رأيت قضيةً بقيت هي نفسها، فيما تغيّرت الأدوات. في الأولى يد تحمل بندقية، وفي الثانية اليد نفسها تحتضن الإيمان…وبين القبضتين عمر كامل من التضحيات، والصمود، والانتظار.

قد يظن البعض أنّ المسافة بين البندقيّة والإنجيل بعيدة، لكنها في الحقيقة أقصر مما يتخيلون. فكلاهما حُمِل دفاعاً عن قيمة. الأولى عندما بات الوجود مهدداً، والثانية عندما أصبح الإنسان بحاجة إلى أن يتذكر أنّ الله هو غاية كل نضال، وأنّ الأوطان التي تُصان بالدم لا تستمر إلاّ إذا بُنيت بالمحبة والحق والغفران.

كم كانت سهلة كلمة "زعران" على ألسنة كثيرين!! نعم، كانوا يرددونها وكأنها شتيمة، غير مدركين أنّ التاريخ يسخر أحياناً من الكلمات التي يُراد بها الإهانة، فيحوّلها إلى أوسمة شرف. فليس "الزعران" من حملوا السلاح لأنهم عشقوا رائحة الموت، بل لأن الحرب طرقت أبوابهم، ولم تترك لهم سوى خيار الوقوف أو السقوط.

حملوا البنادق لأن الكنائس كانت تُهدّد، والمنازل كانت تُحاصر، والأجراس كانت تخشى أن تصمت، ولأنّ الحرية كانت تحتاج إلى من يدفع ثمنها. وحين انتهت لغة البارود، أعادوا السلاح إلى مكانه، وحملوا الإنجيل، لأن رسالتهم لم تكن سوى الحماية والاستمرار في هذه الحياة.

لهذا، أرى في هاتين اكتمالاً، فالأولى تحكي عن شعب رفض أن يُمحى، والثانية تحكي عن إيمان رفض أن يحقد. الأولى تقول إنّ الكرامة تستحق أن تُدافع عنها، والثانية تؤكد أنّ الغفران لا يكون سوى للأقوياء.

قد يختلف البعض في السياسة، وقد تتباين قراءاتهم للتاريخ، لكن الزمن وحده يكشف حقيقة الرجال. فالرجل الذي عرف متى يحمل البندقية، وعرف أيضاً متى يضعها جانباً ليرفع كلمة الله، هو رجل أدرك أن القوة تكمن في معرفة اللحظة التي يتحول فيها السلاح إلى ذكرى، وتبقى المبادئ وحدها حيّة.

بين الصورتين لم يتغير الرجل...فقط انتصر الإنسان الذي فيه. وهذا هو المعنى الأعمق! أن من دافع عن الوجود بالأمس، مازال اليوم يدافع عن الحقيقة، ولكن بلغة السماء بدلاً من لغة الحرب.

تلك ليست حكاية "أزعر بلباس زيتي"...هي فقط حكاية رجل كتب فصلاً من تاريخه بالدم، وأكمله بالإيمان.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment