بقلم ناجي علي أمهز
في الحروب، تختلط الأصوات حتى يكاد الرصاص يبتلع الحقيقة. لكن يبقى هناك فرق لا يجوز أن يسقط، لا أخلاقياً ولا قانونياً ولا إنسانياً: فرقٌ بين من يحمل السلاح ومن يحمل الكاميرا.
عرف كثيرون في جبل لبنان والشمال الإعلامي و"المراسل الميداني" في قناة المنار محمد الحاج حسين. كان حاضراً في المناسبات واللقاءات والأنشطة العامة، يلاحق الصورة ويعلق عليها كما يلاحق الصحافي الحقيقة، ويوثق لحظة ستصبح غداً جزءاً من ذاكرة وطن. تعرّفت إليه قبل سنوات، ولم أعرف فيه إلا رجلاً يعيش للإعلام، يفكر بعين المصور، يتحدث عبر عدستها فقط.
محمد الحاج حسين كان فيه شيءٌ لافت. عندما يقف أمام الكاميرا، يتبدل تماماً؛ تنساب الكلمات من فمه بثقة وهدوء، ويسترسل في الحديث كأنه يحاور صديقاً قديماً يعرفه جيداً. أما عندما تجلس إليه وجهاً لوجه، بعيداً عن العدسة، فتجده أكثر خجلاً، يتلعثم أحياناً، ويتردد في اختيار كلماته، وكأن حضوره الإنساني البسيط كان يغلب حضوره الإعلامي.
كنت أشعر أن الكاميرا لم تكن بالنسبة إليه مجرد آلة تصوير، بل كانت رفيقة دربه وأقرب أصدقائه. أمامها كان يشعر بالأمان، وكأنها تمنحه الطمأنينة وتساعده على ترتيب أفكاره، فتخرج كلماته بعفوية وصدق، بينما كان في الأحاديث المباشرة يحتفظ بذلك التواضع الذي يميز أصحاب الموهبة الحقيقية. لعل عدسته لم تكن تنقل صورته إلى الناس فحسب، بل كانت تكشف أجمل ما فيه؛ إنساناً وجد في الكاميرا وطنه الصغير، ورفيقةً فهمته أكثر مما فهمه كثيرون.
قبل أيام وفي شهر محرم استشهاد الامام الحسين (ع)، وعندما سألت عنه طلباً لبعض الصور، جاءني الجواب صاعقاً: محمد اسTشهد، ومفقود الأثر منذ أشهر.
توقفت الكلمات. ليس لأن الموت أصبح غريباً على لبنان، بل لأننا بدأنا نتعامل مع موت الإعلاميين كأنه تفصيل بسيط لحادث سير في نشرات الأخبار.
محمد لم يكن مقاتلاً. كان إعلامياً. وهذه ليست عبارة عاطفية، بل توصيف قانوني له معنى كبير. فالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، يعتبر الصحافيين والإعلاميين المدنيين أشخاصاً مدنيين يتمتعون بالحماية طالما لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية. والكاميرا ليست بندقية، والعدسة ليست منصة إطلاق نار، وتوثيق الحدث ليس اشتراكاً في القتال.
حتى لو رافق الإعلامي مجموعة عسكرية لتغطية وقائع الميدان، فإن صفته الأصلية تبقى صفة مدنية، ولا تتحول مهنته إلى عمل قتالي لمجرد وجوده في مكان الخطر.
لهذا، فإن سقوط إعلامي لا ينبغي أن يكون خبراً يمر، بل جرس إنذار لكل المؤسسات الإعلامية وفي دول العالم، ولكل النقابات، ولكل المدافعين عن حرية التعبير، لأن حماية الصحافي ليست امتيازاً تمنحه السياسة، بل حق تكفله الشرائع الدولية، وتؤكد عليه المادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي كرست حرية الرأي والتعبير وتلقي المعلومات ونقلها، كما كرسته المواثيق الدولية الخاصة بحماية الصحافيين أثناء النزاعات المسلحة.
لكن ما يحزن أكثر من الموت، هو الصمت بعد الموت.
فان كان العالم لا يتضامن مع اعلامي الطائفة لاسباب طائفية وسياسية، اين الطائفة من الرئيس نبيه بري الى بائع الخضار على قارعة الطريق.
اين رجال الدين في الطائفة الذين عندما يموت احدهم وهو على فراشه بعد عمر طويل، يكتبون وينحبون ويلطمون، ويقيمون المجالس رحل ايه الله، والعلامة والفقيه والمرجع، وعند قتل الاعلاميين يسكتون وبالكاد يستنكرون.
أين الإعلاميون من إعلامي سقط بينهم؟
أين المصورون الذين يعرفون أن الكاميرا قد تتحول في لحظة إلى شاهد على صاحبها؟
أين المؤسسات الإعلامية التي يفترض أن تجعل أسماء شHدائها جزءاً من ذاكرتها اليومية؟ ليس فقط تقرير صغير.
أين الكتّاب؟ أين المعلقون؟ أين المنشدون؟ أين أولئك الذين لا يتعبون من الكلام عندما تكون المنابر مضاءة، ثم يختفون عندما تصبح القضية قضية زميل لهم؟
لا يكفي أن نقيم مجلس تأبين، ولا أن نلقي خطبة مؤثرة، ثم نعود إلى برامجنا وكأن شيئاً لم يكن.
لا يصنع الذاكرة خطابٌ واحد.
الذاكرة تُصنع بالكتابة المستمرة.
تُصنع حين يبقى الشHيد حاضراً في المقالات، وفي الوثائقيات، وفي الصور، وفي الأرشيف، وفي الوعي العام.
إذا كان الإعلام يعجز عن حماية ذاكرة إعلامييه، فكيف سيقنع الناس بأنه قادر على حماية ذاكرة الشعوب؟ وإذا كانت الكاميرا التي وثقت آلام الآخرين لا تجد من يوثق قصتها، فإننا لا نخسر شخصاً واحداً فحسب، بل نخسر جزءاً من الضمير الانساني نفسه.
رحم الله الإعلامي الشHيد محمد الحاج حسين. ورحم أيضاً تلك الكاميرات التي ما زالت تبحث عمن يدافع عنها، لا لأنها تنتمي إلى هذه الجهة أو تلك، بل لأنها، في النهاية، تحمل الحقيقة قبل أن تحمل الصورة.












06/29/2026 - 09:17 AM





Comments