علي جزائري
تُعدّ الآية الكريمة: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ من أكثر النصوص القرآنية التي أثير حولها الجدل عند الحديث عن المقاومة والثورات والتضحيات. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يمكن المقارنة بين خروج الحسين بن علي إلى كربلاء، وبين مسار حزب الله في السنوات الأخيرة؟ وهل كان موقف أخيه الحسن بن علي، الذي اختار الصلح، نقيضًا لموقف الحسين أم وجهًا آخر للحكمة السياسية؟
الجواب يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، لأن الظروف التاريخية والسياسية مختلفة جذريًا.
كان الحسن والحسين يعيشان في ظرف واحد تقريبًا، لكنهما اتخذا قرارين مختلفين. اختار الحسن الصلح مع معاوية بن أبي سفيان بعد سنوات من الحرب، عندما رأى أن جيشه متعب ومنقسم، وأن استمرار القتال سيؤدي إلى سفك دماء بلا أفق لتحقيق النصر. لم يكن الصلح استسلامًا، بل قراءة لموازين القوى.
أما الحسين، فقد خرج بعد وفاة معاوية ورفض مبايعة يزيد بن معاوية، معتبرًا أن البيعة تمنح شرعية لحكم يراه فاقدًا للمشروعية. كان يعلم أن ميزان القوى ليس لصالحه، لكنه رأى أن الصمت أخطر من المواجهة، وأن شهادته ستبقي القضية حيّة في ضمير الأمة.
إذن، لم يكن أحد الأخوين شجاعًا والآخر جبانًا، ولا كان أحدهما ثوريًا والآخر مستسلمًا. كلاهما تصرف وفق اجتهاد سياسي وأخلاقي يناسب ظروف زمانه.
عند إسقاط هذه الثنائية على الواقع اللبناني، يظهر نقاش مشابه. فهناك من يرى أن استمرار المواجهة العسكرية، مهما كانت الكلفة، هو امتداد لنهج الحسين في رفض الخضوع. في المقابل، يرى آخرون أن الحفاظ على المجتمع والدولة والاقتصاد، عندما تصبح كلفة الحرب أكبر من قدرتها على تحقيق أهدافها، أقرب إلى منهج الحسن في تغليب المصلحة العامة.
وهنا تبرز الآية القرآنية: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، التي فسّرها العلماء بتفسيرات متعددة، منها النهي عن تعريض النفس أو المجتمع للهلاك دون مصلحة راجحة. لذلك، فإن أي قيادة سياسية أو عسكرية مطالبة بأن توازن بين واجب الصمود وواجب حماية الناس.
إن تقييم تجربة حزب الله لا يمكن أن يتم بالشعارات وحدها، بل بالسؤال: هل تحقق الأهداف المعلنة بما يتناسب مع حجم التضحيات؟ وهل بقيت كلفة الصراع ضمن قدرة المجتمع اللبناني على الاحتمال؟ هذه أسئلة سياسية مشروعة، تختلف الإجابات عنها بحسب تقييم الوقائع والنتائج.
ولعل الدرس الأهم من الحسن والحسين هو أن الإسلام لم يقدّس الحرب لذاتها، ولم يقدّس السلام لذاته. فالصلح قد يكون بطولة عندما يحفظ الأمة، والمواجهة قد تكون بطولة عندما تمنع الظلم. أما الخطأ، فهو تحويل أي من الخيارين إلى عقيدة ثابتة لا تراعي تغير الظروف.
لقد خلد التاريخ الحسن لأنه عرف متى يوقف الحرب، وخلد الحسين لأنه عرف متى يرفض الاستسلام. وبين هذين النموذجين، يبقى على كل قيادة أن تسأل نفسها: هل القرار الذي تتخذه يحفظ كرامة الناس ومستقبلهم، أم يدفعهم إلى تهلكة لا تفضي إلى مصلحة راجحة؟
وهذا هو جوهر الآية: أن الشجاعة ليست في خوض كل معركة، كما أن الحكمة ليست في تجنب كل مواجهة، وإنما في اختيار الموقف الذي يحقق العدل ويقلل المفسدة ويحفظ الإنسان قدر الإمكان.
* كاتب من لبنان












06/29/2026 - 09:12 AM





Comments