قراءة في رواية "قبل أن تبرد القهوة": كيف يرمم الأدب جروح الفقد؟

06/28/2026 - 19:40 PM

Bt adv

 

كتبت الدكتورة علياء إبراهيم

 كم مرةً تمنيتَ لو عادت بكَ عقارب الساعة إلى الوراء؟ لا لتغيرَ ما حدث، بل لتقولَ كلمةً واحدةً حبستها الكبرياء، أو لتنظرَ في عينِ من تحبْ نظرة وداعٍ أكثر سكينة، أو حتى لتسوقَ عتاباً حرمك منه بغتةً الرّحيل؟

 كان هذا هو التساؤل الذي أثاره في ذهني وقوع رواية "قبل أن تبرد القهوة: حكايات من المقهى" في طريقي، وهي الجزء الثاني من سلسلة الكاتب الياباني "توشيكازو كواغوتشي"، الصادرة في نسختها العربية عن الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2021. وكانت هذه الحكايات بوابتي الأولى للاطلاع على الأدب الياباني المعاصر؛ حيث ألفيتُ نوعاً من الأدب يحمل مشاعر إنسانية مكثفة تلمس أعماق النفس البشرية بهدوء، ونعومة، وسلاسة.

ماذا لو أتيحت لك الفرصة لتعود بالزمن إلى الوراء ؟ لكن بشروط لا يمكن خرقها،  وبفنجان قهوة لا بد أن يُشرب قبل أن يبرد... في هذا الجزء الجديد من السلسلة  الساحرة التي

 تدور أحداث الرواية في زقاق ضيق ومنعزل في طوكيو، داخل مقهى صغير تحت الأرض يقدم لرواده خدمة فريدة؛ وهي السفر عبر الزمن لمقابلة عزيز غيبه الموت، شريطة أن تتم هذه المقابلة خلال المدة التي يستغرقها تناول فنجان القهوة.

 وهنا يدرك القارئ أنه ليس أمام عملٍ من أعمال الخيال العلمي، بل هو إبحار عميق في دهاليز النفس البشرية؛ فالأبطال الذين يرتادون هذه الرحلة القصيرة عبر الزمن، لا يرتدّون إلى الماضي بحثاً عن معجزة تغير واقعهم، بل يسافرون التماساً لـ "فرصة مواجهة"؛ مواجهة الكلمات التي دُفنت في الصدور، أو الوعود التي بقيت معلقة ولم تعد مكتملة. ولكن هذا السفر محكوم بقوانين صارمة وضعها كواغوتشي، أبرزها أن الماضي لا يتغير، والحاضر لن يتبدل مهما فعلت؛ وبذلك يخبرنا الكاتب منذ البداية بأن الزمن صارم، والموت حتمي، والفقد لا رجعة فيه.

 وهنا يتلاقى الأدب مع المنظور النفسي في أن الألم الحقيقي لا يكمن في الحدث الحزين ذاته كالفقد أو الفراق، بل في "الدائرة المفتوحة" التي تظل معلقة في وجدان الإنسان، تستنزف طاقته العاطفية وتعكر صفو حاضره. فالسعادة والتعافي في محراب هذه الرواية لا يشترطان تغيير الوقائع الخارجية التي خسرناها، بل يتطلبان تغييراً شاملاً في المفاهيم الذهنية الداخلية، تلك التي تعيد صياغة ما يدور في أذهاننا، فيتبدل الحاضر والمستقبل في عينيه تلقائياً.

 أما القانون الأهم في الرواية، فهو حتمية العودة قبل أن تبرد القهوة تماماً، وإلا تحوّل الشخص إلى شبح حبيس المكان والماضي معاً؛ وهذا الشرط الصارم ليس مجرد حبكة خيالية، بل هو رمز صارخ لتشتت الوعي البشري الذي يرفض في أحيان كثيرة أن يعيش في أسرِ "هنا والآن"، ويصر على أن يظل رهيناً للماضي، أو مكبلاً بقلق التفكير المفرط في المستقبل، فتضيع منه اللحظة الوحيدة التي يملكها حقاً. والأهم من ذلك، أن هذه الجلسة التحليلية التي يعيشها القارئ مع أبطال الرواية تعكس حقيقة نفسية كبرى؛ وهي أن مواجهة مشاعرنا وقبولها، مهما بلغت قسوتها، هي المفتاح الوحيد لإغلاق تلك الدوائر المعلقة والتحرر من أغلال الماضي.

إنها رواية نفسية بامتياز؛ إذ تقدم علاجاً بالمواجهة الدافئة، دافئة كدفء فنجان القهوة المصنوع من السيراميك والمنبعث منه البخار، تصحبه رائحة القهوة النفاذة الذكية التي تكاد تتسلل إلى أنف القارئ نفسه ليشمّها عبر السطور. وما إن ينتهي القارئ من كتاب "حكايات من المقهى"، حتى يجد نفسه وجهاً لوجه أمام حقيقة كبرى؛ إذ سيدرك من خلال أحداثها وعبر رحلة شخصياتها أننا لا نملك ممحاة نطمس بها الماضي، ولا نملك قوة نغير بها الأقدار المحتومة، لكننا نملك بالكامل إعادة صياغة مشاعرنا، ونملك شجاعة أن نقول "شكراً"، و"عفواً"، و"أحبك".. قبل أن تبرد قهوة أيامنا، وقبل أن يرحل الأحباب.

أغلقتُ الرواية التي كنت أقرأها بقلب ابنةٍ ما زالت تعيش صدمة الفقد المفاجئ لأمها، وكأنني أستعيد بعد مرور عامين مشهد انقطاع أنفاسها الأخيرة بين يديّ. ومن هنا، من هذه الزاوية الشخصية، أخذتني الرواية إلى مختبرها النفسي الدافئ لتكشف لي أن الأدب الحقيقي لا يقرأنا فحسب، بل نحن من نسكب عليه مخاوفنا وجروحنا التي لا تزال مفتوحة تنزف، لتدبّ فيه الحياة؛ وكأن الصفحات التي طالعتُها كانت تحمل لي رسالة تربت على قلبي، وتهمس في أذنِي: «يا علياء، أنتِ لستِ وحدكِ، وهناك من يفهمك».

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment