مفيد خطّار
في قلب الإنسان شجرتان تتنازعان المصير: شجرة الحياة وشجرة التين اليابسة. الأولى تنمو من التوبة والغفران، والثانية من الخيانة والهرب من الحقيقة. وكلما امتدت جذور إحداهما، انحسرت الأخرى. فالمعركة الحقيقية لا تدور خارج الإنسان، بل في أعماقه، حيث يُصاغ القرار الذي يرسم الطريق إلى الحياة أو إلى الهلاك.
وشجرة التين اليابسة ليست إلا رمزًا لكل نفسٍ تفضّل الهرب على الاعتراف، والكبرياء على التوبة. إنها الطريق التي سار فيها يهوذا حين أدرك خطأه، لكنه لم يؤمن بأن الغفران أقوى من الخطيئة، وأن الرحمة أوسع من السقوط. فكانت ندامته بابًا إلى الموت، بدل أن تكون معبرًا إلى الحياة.
أما شجرة الحياة، فتبدأ حيث يجرؤ الإنسان على مواجهة نفسه. هناك يلتقي بالحقيقة وبالغفران، فتتحول السقطات إلى فرصة للنهوض، والجراح إلى بداية شفاء. فالغفران لا يمحو الماضي، بل يحرر الإنسان من سلطانه، ويمنحه القدرة على أن يبدأ من جديد.
لكن بين الشجرتين يقف تنينٌ خفيّ. لا يولد عملاقًا، بل ينمو كلما أطعمه الإنسان من الحقد والخوف والرغبة في الثأر. ومع الزمن يستولي على القلب والعقل، ويوهم صاحبه بأن الخلاص يأتي بالغلبة، وأن القوة تُبنى على إقصاء الآخر. وهكذا يقوده إلى العزلة باسم الانتصار، وإلى الخراب باسم الأمان.
وحين يحكم التنين، لا يكتفي بإفساد الأفراد، بل يمتد إلى الجماعات والأوطان. يحرق جسور الثقة بين الشركاء، ويزرع الشك مكان اللقاء، والعداء مكان الأخوّة. ويوهم الناس بأن انتصار فريق على آخر قادرٌ على صنع سلامٍ دائم، فيما يثبت التاريخ، مرة بعد مرة، أن الكراهية لا تُنتج إلا كراهية، وأن كل مشروع يقوم على إلغاء الآخر يحمل في داخله بذور سقوطه.
في المقابل، تزهر شجرة الحياة حيث يختار الناس الشراكة بدل الغلبة، والمحبة بدل الخوف، والاعتراف المتبادل بدل الإنكار. هناك يصبح التنوع مصدر غنى لا سببًا للصراع، ويغدو الاختلاف فرصةً للتكامل لا ذريعةً للانقسام. فالأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالثقة التي تجمع أبناءها حول مصير واحد.
فجحيم الحروب لا يبدأ على الحدود، بل في أعماق النفوس. هناك تولد الشرارة الأولى، وهناك يُحسم الخيار قبل أن يتحول إلى صراع أو إلى سلام. فإذا تُرك التنين حرًا، خرجت نيرانه لتحرق البشر والحجر. أما إذا اختار الإنسان طريق التوبة، انكسرت سلطته قبل أن تشتعل النار، وانفتح الطريق إلى الغفران. وحيث يحضر الغفران، تزهر شجرة الحياة، وتثمر المحبة، وتنحسر الكراهية، وتنكسر شوكة الموت.
ويبقى السؤال الذي يواجه الإنسان في كل زمان ومكان: أيُبنى المصير على الغفران الذي يهب الحياة، أم على الخيانة والكراهية اللتين لا تثمران إلا الموت؟











06/28/2026 - 19:12 PM





Comments