اتفاق على صفيح ساخن... عندما تسبق البنادق التواقيع

06/28/2026 - 18:57 PM

A

 

 

علي جزائري

في الشرق الأوسط، لا تكفي البيانات الرسمية لإعلان السلام، ولا تكفي المصافحات الدبلوماسية لإنهاء الحروب. فالمنطقة اعتادت أن تكتب اتفاقاتها بالحبر، ثم تمحوها بالنار. لذلك، فإن أي تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لا يُقاس بما يُعلن عنه في المؤتمرات الصحفية، بل بقدرته على الصمود أمام أول اختبار ميداني.

وإذا كان الاتفاق الأميركي – الإيراني قد تعثر قبل أن يكمل أربعاً وعشرين ساعة، فإن الرسالة الأهم ليست في انهيار الاتفاق نفسه، بل في هشاشة البيئة السياسية والعسكرية التي وُلد فيها. لقد بدا وكأنه اتفاق وُضع على صفيح ساخن، حيث تكفي شرارة صغيرة لإعادة إشعال المشهد بأكمله.

فالعلاقة بين واشنطن وطهران ليست خلافاً تقليدياً يمكن حله بجولة مفاوضات أو بتوقيع وثيقة. إنها علاقة تتشابك فيها ملفات البرنامج النووي، والعقوبات الاقتصادية، والنفوذ الإقليمي، وأمن إسرائيل، والممرات البحرية، وشبكة واسعة من الحلفاء والقوى المسلحة المنتشرة في أكثر من دولة. ولهذا فإن أي اتفاق لا يعالج هذه الملفات ضمن رؤية متكاملة يبقى أقرب إلى هدنة تكتيكية منه إلى تسوية استراتيجية.

ولعل المشكلة الأساسية أن الطرفين لا يدخلان المفاوضات بالمنطق نفسه. فالولايات المتحدة تسعى إلى إدارة الصراع ومنع انفجاره بما يحفظ مصالحها ويجنبها الانزلاق إلى حرب مفتوحة، بينما تنظر إيران إلى المفاوضات باعتبارها جزءاً من معركة طويلة هدفها تثبيت موقعها الإقليمي وانتزاع اعتراف عملي بنفوذها. وبين هذين المنطقين تتسع مساحة سوء الفهم، ويصبح الاتفاق هشاً منذ لحظة ولادته.

كما أن اللاعبين الإقليميين ليسوا مجرد متفرجين. فإسرائيل تعتبر أن أي تفاهم يمنح إيران متنفساً اقتصادياً أو سياسياً قد ينعكس على ميزان القوى في المنطقة، ولذلك تبقى حذرة تجاه أي اتفاق لا يتضمن ضمانات صارمة. وفي المقابل، ترى أطراف أخرى أن تخفيف التوتر قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والتنموية بعد سنوات من الاستنزاف.

لكن التجربة أثبتت أن الاتفاقات التي تُبنى على وقف مؤقت للتصعيد، من دون معالجة أسباب الصراع، تشبه بناء منزل فوق فالق زلزالي. قد يبدو مستقراً لبعض الوقت، لكنه يبقى معرضاً للاهتزاز عند أول أزمة.

اقتصادياً، يدرك الجميع أن أي استقرار بين واشنطن وطهران ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود البلدين. فأسعار النفط، وحركة الملاحة في الخليج، والاستثمارات، وأسواق المال، وحتى اقتصادات الدول المتأثرة بالصراع، ومنها لبنان، كلها تتفاعل مع مستوى التوتر أو الانفراج. ولذلك فإن فشل أي تفاهم لا يعني مجرد انتكاسة سياسية، بل يحمل معه كلفة اقتصادية يشعر بها ملايين الناس.

ويبقى السؤال: هل كان الاتفاق فاشلاً منذ البداية، أم أن ما جرى مجرد تعثر في مسار تفاوضي طويل؟

الإجابة قد تكون أن الطرفين لا يزالان يحتاجان إلى التفاوض أكثر مما يحتاجان إلى المواجهة، لكنهما في الوقت نفسه لا يملكان بعد الثقة الكافية لبناء سلام مستدام. ولهذا ستبقى المنطقة تعيش بين هدنة قابلة للانهيار وتصعيد قابل للاحتواء، في معادلة أصبحت جزءاً من طبيعة الصراع.

إن الاتفاقات التي لا تصمد يوماً كاملاً ليست بالضرورة عديمة القيمة، لكنها تكشف أن جذور الأزمة لا تزال أعمق من أي إعلان سياسي. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على وقف إطلاق النار فقط، بل على توازن مصالح، وضمانات متبادلة، وإرادة سياسية تتجاوز الحسابات الآنية. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى المنطقة تعيش فوق صفيح ساخن، حيث يصبح كل اتفاق مؤقتاً، وكل هدنة اختباراً جديداً، وكل انفراج مشروع أزمة مؤجلة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment