ليلة الاعتقالات الساخنة في بغداد: حملة واسعة تربك المشهد السياسي وتفتح أسئلة أكبر من الفساد

06/28/2026 - 18:02 PM

A

 

 

بغداد - تحوّلت المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية بغداد إلى مسرح لواحدة من أوسع حملات الاعتقال التي تشهدها بغداد منذ سنوات، وسط تضارب كبير في الروايات بشأن عدد الموقوفين، وحديث متصاعد عن شمول نواب ومسؤولين كبار، فيما بقيت البيانات الرسمية مقتضبة، مقابل سيل من التسريبات التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي ورفعت منسوب القلق الشعبي والسياسي.

ورغم الزخم الأمني غير المسبوق، لم يخلُ المشهد من هواجس واسعة عبّر عنها عراقيون يخشون أن تنتهي الحملة عند “الزوري” دون أن تطال “الحيتان” الكبيرة، أو أن تكون مجرد غطاء لتصفية حسابات سياسية بين القوى المتنافسة.

في التفاصيل، تشير معلومات حصلت عليها مصادر مطلعة إلى أن العملية التي انطلقت قبل فجر الأحد جاءت ضمن قائمة تضم نحو 50 مطلوباً، مع توقعات بأن يتضاعف العدد خلال الأيام المقبلة. هذه القائمة كانت قد كُشف عنها في وقت سابق، وتزامن تنفيذها مع ما بات يُعرف بـ“اتفاق حزيران” بين رئيس الوزراء علي فالح الزيدي ومبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو تزامن دفع كثيرين إلى ربط الإجراءات الأمنية بمسار سياسي يتجاوز ملف الفساد التقليدي.

وتؤكد مصادر حكومية أن نقطة الانطلاق جاءت من اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط المعتقل عدنان الجميلي، الذي قيل إنه قدم للقضاء قائمة تضم 128 اسماً متورطاً في ملفات فساد. وبحسب هذه المصادر، فإن الاعتقالات شملت نواباً رُفعت عنهم الحصانة خلال العطلة التشريعية، إضافة إلى مسؤولين وردت أسماؤهم في تلك الاعترافات، وسط تأكيدات بأن رئيس الوزراء “لن يتوانى عن ملاحقة المتورطين في التجاوز على المال العام”.

التسريبات التي ملأت المشهد السياسي أشارت إلى أن القائمة ضمت شخصيات بارزة من فريق رئيس الوزراء السابق محمد السوداني، بينهم محمد الصيهود، عالية نصيف، بهاء نوري، حسنين الخفاجي، علاء سكر، والمستشار السابق إبراهيم الصميدعي، إضافة إلى محافظين سابقين ونواب ارتبطوا سياسياً بالسوداني. كما ترددت أسماء من محيطه العائلي، بينها شقيقه عباس السوداني، ورئيس مكتبه السابق عبد الكريم السوداني، والمستشار سامي السوداني.

ولم تقتصر التسريبات على القوى الشيعية، إذ امتدت إلى شخصيات سنية متحالفة مع السوداني، بينها وزير الصناعة السابق خالد بتال، والنائب زياد الجنابي، وسط حديث عن خصومة سياسية مع مثنى السامرائي الذي قيل أيضاً إنه اعتُقل مع عدد من نوابه. في المقابل، بقي مصير شخصيات أخرى، مثل حسين مؤنس، غير محسوم، فيما أشارت مصادر إلى إطلاق سراح محمود القيسي وحيدر الملا بعد ساعات من توقيفهما.

وفي مقابل أخبار الاعتقال، تحدثت مصادر عن هروب بعض المطلوبين قبل وصول القوات الأمنية، بينهم وزيرة المالية السابقة طيف سامي، بعد تداول أنباء عن مداهمة منزلها في منطقة الداوودي.

اللافت في المشهد كان الانتشار العسكري داخل المنطقة الخضراء، حيث ظهرت دبابات وآليات ثقيلة تابعة لجهاز مكافحة الإرهاب واللواء التاسع المدرع، فيما بقيت المنطقة مغلقة مع تشديد إجراءات التفتيش والتدقيق على السيارات الحكومية والمطارات. كما تحدثت تسريبات عن العثور على مبالغ مالية ضخمة داخل منازل بعض المطلوبين وشقق داخل الخضراء.

الشارع العراقي تفاعل بقوة مع التطورات، بين مرحّب يرى في الحملة خطوة طال انتظارها، ومشكك يخشى أن تكون انتقائية أو موجّهة سياسياً. ومن الملاحظ أن السلطات لم تقدم هذه المرة على قطع خدمة الإنترنت، كما جرت العادة في مناسبات حساسة.

العمليات امتدت إلى مناطق واسعة في بغداد، بينها اليرموك والقادسية والشعب والصدر وزيونة، إضافة إلى محافظات ميسان وبابل وديالى وصلاح الدين، ما يعكس حجم التحرك الأمني.

في خضم هذه الأحداث، دعا النائب أحمد الشرماني إلى توسيع المعركة عبر تفعيل دائرة الوقاية في هيئة النزاهة ومنحها صلاحيات لمتابعة أموال كبار المسؤولين الحاليين والسابقين وعائلاتهم، مؤكداً أن “هؤلاء هم قتلة الشعب والمتاجرون بدمائه”، وداعياً العراقيين إلى النزول للشارع دعماً للإجراءات.

توقيت الحملة بدا مدروساً، إذ استُغلت صلاحيات رئيس البرلمان خلال العطلة التشريعية الممتدة من 1 حزيران حتى 1 تموز، ما سمح برفع الحصانة عن النواب المطلوبين دون الحاجة إلى تصويت المجلس.

وفي لحظة أثارت الكثير من التساؤلات، وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بغداد بالتزامن مع الحملة، في زيارة وصفها مراقبون بأنها تحمل رسائل مرتبطة بالنفوذ الإيراني في العراق، خصوصاً في ظل مؤشرات تتحدث عن تصاعد الحضور الأميركي.

الحملة تأتي ضمن مسار أعلن عنه رئيس الوزراء علي الزيدي مطلع حزيران، يقوم على ثلاثة محاور: حصر السلاح بيد الدولة، تقليص النفوذ الإيراني، وتجفيف مصادر تمويل الفصائل عبر ملاحقة شخصيات وأحزاب متهمة بدعم تلك الجماعات مالياً. وهي إجراءات كانت قد كشفت عنها تقارير سابقة تحدثت عن خطة لاعتقال ما لا يقل عن 50 مطلوباً واستعادة مليارات الدولارات، ضمن تسوية سياسية مع واشنطن تمنح العراق حوافز استثمارية مقابل الحد من التمدد الإيراني.

ورغم ضبابية المشهد، تبدو البلاد أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازنات السلطة، وتفتح الباب أمام مواجهة غير مسبوقة مع شبكات الفساد والنفوذ السياسي، في انتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة من نتائج هذه الحملة التي أربكت الجميع.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment