هل يتحمل لبنان فوضى المنطقة؟ ودور الاستثمار العربي واللبناني في حماية لبنان من مجاعة محققة وانهيار اقتصادي

06/28/2026 - 14:39 PM

Atlantic home care

 

 

 

بقلم: د. محمد نصار

لم يعد الحديث عن الأزمة اللبنانية مجرد تناول لأوضاع اقتصادية صعبة أو خلافات سياسية عابرة، بل أصبح الحديث عن دولة تواجه اختبارا وجوديا يهدد حاضرها ومستقبل أجيالها. فمنذ سنوات، يعيش لبنان سلسلة من الأزمات المتشابكة، بدأت بانهيار مالي غير مسبوق، ومرّت بأزمات سياسية وأمنية، ثم جاءت تداعيات الصراعات الإقليمية لتضاعف من حجم الضغوط، حتى أصبح اللبنانيون يدفعون ثمنًا باهظًا لأحداث تتجاوز حدود وطنهم.

ويفرض هذا الواقع سؤالًا بالغ الأهمية: هل يتحمل لبنان وحده فوضى المنطقة؟ وهل يُترك شعبه يواجه خطر الفقر والجوع والانهيار الاقتصادي، أم أن هناك مسؤولية عربية وأخلاقية واقتصادية تستوجب التحرك لإنقاذ بلد كان لعقود أحد أهم المراكز الاقتصادية والثقافية والمالية في الشرق الأوسط؟

لقد فقد الاقتصاد اللبناني خلال السنوات الماضية جزءا كبيرا من قدرته على الإنتاج والنمو. وتراجعت قيمة العملة الوطنية بصورة حادة، وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، بينما تآكلت القدرة الشرائية للمواطن، وازدادت معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، الأمر الذي دفع عشرات الآلاف من أصحاب الكفاءات إلى الهجرة بحثًا عن فرص حياة أفضل.

وفي الوقت نفسه، تعرضت قطاعات حيوية مثل السياحة والصناعة والتجارة والزراعة لضربات متتالية، نتيجة عدم الاستقرار السياسي والأمني، وتراجع الثقة في الاقتصاد، وصعوبة الحصول على التمويل والاستثمارات الجديدة. كما تراجعت الخدمات الأساسية، وأصبح الحصول على الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم يمثل تحديًا يوميًا أمام ملايين اللبنانيين.

ولا شك أن استمرار التوترات العسكرية في المنطقة يضاعف من هذه الأزمات، ويهدد بتوقف ما تبقى من النشاط الاقتصادي، خاصة إذا اتسعت دائرة الصراع ، فالاستثمار بطبيعته يبحث عن الاستقرار، وعندما تغيب الثقة، تتراجع رؤوس الأموال، وتتوقف المشروعات، ويزداد العبء على الدولة والمواطن معًا.

ومن هنا، فإن إنقاذ لبنان لا يمكن أن يعتمد فقط على المساعدات الإنسانية أو القروض الدولية، رغم أهميتها في مواجهة الأزمات العاجلة ، فهذه الأدوات تخفف المعاناة مؤقتا، لكنها لا تصنع اقتصادا قادرا على الحياة. أما الحل الحقيقي فيكمن في إعادة بناء الاقتصاد على أسس الإنتاج والاستثمار والإصلاح.

ويمثل المستثمر اللبناني، سواء داخل البلاد أو في دول الاغتراب، أحد أهم مفاتيح التعافي. فاللبنانيون المنتشرون في أنحاء العالم يمتلكون خبرات واسعة ورؤوس أموال ضخمة وعلاقات اقتصادية دولية يمكن أن تسهم في إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد، إذا توفرت بيئة آمنة ومستقرة تضمن حماية الاستثمارات وسيادة القانون.

وقد قدم أحد السياسيين والمستثمرين اللبنانيين الذي يعمل فى العديد من البلاد العربية ، الا وهو  الدكتور إبراهيم المجذوب  ،صورة لانقاذ الاقتصاد اللبناني عبر  خريطة عمل ممتدة بعمل شراكات اقتصادية مع أنظمة عربية ومستثمرين عرب  باتفاقيات وتفاهمات ضخمة ، من اجل اعادة اعمار ما خلفته الحرب والانقسامات الداخلية  ، لكن  ذلك يحتاج استقرار سياسي وهدوء أمنى لإنقاذ البلاد من مستقبل مجهول ، قد يتسبب فى تفتيت البلاد وتدمير ماتبقى منها جغرافيا. 

كما أن  الاستثمار العربي ، والذي يرتكذ عبر دعم المملكة العربية السعودية وقيادتها  ، وهنا يظهر دورها فى إعادة الاستقرار إلى شريان الحياة الاقتصادية والسياسية أيضا ، يمثل ركيزة أساسية في هذه المرحلة ، فالعلاقات التاريخية التي تربط لبنان  بالمملكة العربية السعودية وبالدول العربية تؤهله ليكون شريكا اقتصاديا مهما، خاصة في مجالات السياحة، والعقارات، والطاقة، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والصناعات الغذائية، والزراعة، والتكنولوجيا ، ويمكن لرؤوس الأموال العربية أن تلعب دورا محوريا في إعادة بناء الاقتصاد اللبناني، بما يحقق مصالح مشتركة لجميع الأطراف.

لكن هذه الاستثمارات لن تأتي إلا إذا اقترنت بإصلاحات حقيقية وشاملة، تبدأ بإصلاح القطاع المصرفي، واستعادة حقوق المودعين، وتعزيز استقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وتحديث القوانين الاقتصادية، وتوفير بيئة استثمارية شفافة وعادلة، يشعر فيها المستثمر بأن أمواله محمية، وأن الدولة شريك في التنمية لا عبء عليها.

ومن المهم أيضا أن تتبنى الدولة اللبنانية خطة وطنية شاملة لدعم القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة، حتى لا يظل الاقتصاد معتمدًا على الاستيراد والخدمات فقط. فتعزيز الإنتاج المحلي يخلق فرص عمل، ويخفض فاتورة الواردات، ويزيد من قدرة الاقتصاد على الصمود أمام الأزمات.

كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يجب أن يكون أولوية، لأنها تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد ناجح، وتسهم في تشغيل الشباب والمرأة، وتحفز الابتكار وريادة الأعمال، خاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا.

إن استقرار لبنان ليس قضية لبنانية فقط، بل قضية عربية وإقليمية. فلبنان كان دائمًا جسرًا للتواصل الثقافي والاقتصادي بين الشرق والغرب، واستقراره ينعكس إيجابًا على المنطقة بأسرها، بينما يؤدي انهياره إلى تداعيات إنسانية واقتصادية وأمنية تمتد آثارها إلى محيطه العربي.

واليوم، يحتاج لبنان إلى مشروع إنقاذ اقتصادي حقيقي، تشارك فيه الدولة والقطاع الخاص والمستثمرون العرب واللبنانيون والمؤسسات الدولية، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة. فالمطلوب ليس مجرد ضخ أموال، بل بناء اقتصاد قوي ومستدام، يقوم على الإنتاج والشفافية وسيادة القانون.

ويبقى الأمل معقودًا على قدرة اللبنانيين، بدعم أشقائهم العرب، على تجاوز هذه المرحلة الصعبة، واستعادة مكانة لبنان الاقتصادية والثقافية، ليعود كما كان منارة للعلم والإبداع والاستثمار في المنطقة.

إن التاريخ أثبت أن الشعوب التي تمتلك الإرادة قادرة على النهوض مهما كانت التحديات، ولبنان يمتلك من الطاقات البشرية والإمكانات الاقتصادية ما يؤهله للعودة، شرط أن تتكاتف الجهود، وأن يكون الاستثمار في الإنسان والاقتصاد هو الخيار الأول، لأن حماية لبنان من المجاعة والانهيار ليست مسؤولية اللبنانيين وحدهم، بل مسؤولية كل من يؤمن بأن استقرار هذا البلد يمثل ركيزة لاستقرار المنطقة بأكملها.

 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment