لا داعي للاختلاف والانقسام، لبنان بحاجة الى وحدة طوائفه ومواطنيه، وكلام اردوغان الدليل الاكبر

06/28/2026 - 11:18 AM

Atlantic home care

 

 

بقلم ناجي علي امهز

لم يكن كلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخير مجرد تصريح سياسي عابر، بل جاء كوثيقة تأكيدية لمسارات جيوسياسية تم رصد معالمها بدقة منذ سنوات. فالمشهد اليوم يشير بوضوح إلى أن لبنان يترنح بين مطرقة الانقسام الداخلي وسندان المتغيرات الإقليمية الكبرى، وهو ضياعٌ لا يبدو أنه يحتاج إلى حروب أهلية تقليدية ليتكرس، بل تكفلت به التحولات التي تجري في غرف صناعة القرار العالمي. إن القراءة المتأنية في أروقة السياسة الدولية، بعيداً عن المبالغة، تكشف أن ما يشهده لبنان اليوم من دعوات علنية للفيدرالية وانهيار في القواسم المشتركة بين مكوناته، ليس سوى فصل من فصول "هدايا الانهيار" التي جرى التحضير لها منذ عام 2017، حين بدأت التحذيرات الجدية من زوال الكيان اللبناني بصيغته الحالية.

بالعودة إلى الأرشيف التحليلي لمرحلة ما قبل عام 2019، نجد قراءة مبكرة جزمت بأن "الولايات المتحدة ستقدم انهيار لبنان هدية لنتنياهو"، وهو ما يفسر بدقة متناهية ما آلت إليه الأوضاع في الساحة اللبنانية، وتحديداً التضييق الممنهج الذي استهدف بيئة معينة وتوازنات طائفية حساسة. واليوم، يدرك المتابعون أنه حتى لو توحدت الطوائف اللبنانية، على ضرورتها، قد لا يمتلكون القوة الكافية لحماية بلد يقع على "فالق زلزالي" جغرافي وديموغرافي، فكيف سينجو في ظل انقسام داخلي يتجاوز الضوابط الوطنية، ويجعل من لبنان ساحة مفتوحة لتصفية حسابات كبرى، تمتد من القارة الامريكية الى تل ابيب، مرورا بانقرة وطهران.

في هذا السياق المتفجر، يبرز الموقف التركي كلاعب لا يقبل التهميش؛ فالدور "العثماني" المتجه نحو طرابلس لبنان "توم باراك" لم يعد مجرد توقع، بل بات ضرورة استراتيجية لأنقرة لانتزاع حصتها في المنطقة. فتركيا لن تقف متفرجة أمام تفرد إسرائيل بالمكاسب بعد وصولها إلى مشارف دمشق، خاصة بعد أن استشعرت تهديداً لأمنها القومي بفعل ملفات ديموغرافية وحدودية معقدة كـ "الملف العلوي" "وما حصل مع ايران".

هذا الطموح التركي يصطدم بمعوقات كثيرة لكنها غير طائفية كالتي عانت منها ايران وحزب الله في لبنان، لكنها معاكسات دولية مباشرة كالنفوذ الفرنسي الذي حاول استنهاض الوجدان المسيحي ضد أنقرة بسبب تدخل تركيا في ليبيا ضد الفرنسيين، وفي ملفات رمزية كـ "آيا صوفيا"، وهو الفتيل الذي سعى الفاتيكان بحكمة بالغة لنزعه عبر زيارات البابا المتكررة للمنطقة، لضبط المتغيرات ومنع انزلاق العالم نحو صراع ديني شامل.

لقد أدركت أنقرة أن اعتماد واشنطن عليها لحماية "ستاتيكو" المنطقة ومنع الروس من الوصول الى المياه الدافئة لم يعد مجدياً بعد الانهيار العربي بسبب احداث غزة، كما أيقنت أن الحكم الجديد في سوريا، مهما دعمته وبلغت درجة التفاهم معه، فأنه يميل للتحالف مع الولايات المتحدة وحتى اقامة سلام مع إسرائيل، مقدماً تنازلات جغرافية في الجولان والسويداء، بل ورسم حدود جديدة تخدم "الهيستيريا الديموغرافية" داخل الكيان الإسرائيلي.

وغضب تركيا من الحكومة السورية الجديدة ليس سرا بل هو معلن عبر رئيس الوزراء التركي الأسبق وزعيم "حزب المستقبل" أحمد داود أوغلو الذي وجه رسالة حادة ومباشرة إلى الرئيس أحمد الشرع، مطالباً إياه برفض التبعية والإملاءات الخارجية. قائلاً: "لا تكونوا أداة أو أتباعاً لأحد، ارفعوا رؤوسكم في وجه إسرائيل وأمريكا وفرنسا إذا لزم الأمر

أمام هذا الواقع، لم يتبقَ لتركيا إلا التحرك المباشر لفرض نفوذها فيما يعرف بـ "المنطقة الخضراء"، وهي مساحة جيوسياسية تبدأ من حلب، وتتوسع لتشمل اللاذقية وطرطوس، وصولاً إلى طرابلس في شمال لبنان.

هذا التمدد أكده أردوغان صراحة في 10 – 6 – 2026 حين أعلن أن "أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت"، في إشارة واضحة إلى أن المواجهة مع "اسرائيل اصبحت مسالة وقت" وباتت مسألة بقاء للدولة التركية بكافة مكوناتها.

اضافة ان تصريحه اليوم 28 – 6- 2026 عن صياغة المنطقة، حيث تقف أنقرة اليوم في مواجهة ما تسميه "الأيديولوجية الصهيونية التوسعية" التي تعتبرها مسألة تهدد بقاء الدولة والشعب التركي، لا مجرد خلاف سياسي عابر. وبين مطامع إسرائيل وطموحات العثمانيين الجدد، يقف لبنان على حافة الغياب، ضحيةً لجغرافيا لا ترحم وانقسام داخلي لا يبقي ولا يذر.

إننا أمام إعادة صياغة للمنطقة تعود فيها "السلطنة" بعد استراحة المحارب الشيعي، لتمارس دوراً محورياً في ملفات شائكة كالملف الكردي، ضمن صراع قد يمتد لسنوات، تمهيداً لمتغيرات داخلية تركية تعيد إحياء النهج العلماني لاحقاً. وبين هذه التحولات الكبرى، يبقى لبنان الضحية الأكبر، حيث تتلاشى الحدود وتتغير الهويات تحت وطأة صراع بقاء لا يرحم الضعفاء أو المنقسمين.

ليتمكن القارئ من الربط بين خيوط المشهد المعقد الذي يشهده لبنان والمنطقة اليوم، لا بد من العودة إلى التسلسل الزمني للمواقف والمقالات التي رسمت معالم هذا الواقع قبل حدوثه، فالسياسة رسمت بالامس وتنفذ اليوم:

1. عام 2017: (دولتين عربيتين مهددتين بالزوال قبل نهاية حكم ترامب)

2. 20أبريل 2019: "أمريكا ستقدم انهيار لبنان هدية لنتنياهو"

3. 18 ديسمبر 2021: "ماذا حصل في لبنان والمخطط الفرنسي الأمريكي والروسي التركي ودور الحزب"

4. 1 يناير 2025: "بريطانيا ستحكم جزء من عالمنا وإسرائيل ستحكم الجزء الثاني"

5. 20 أبريل 2026: "لا سلام إسرائيلي سوري قبل وصول العثماني إلى طرابلس لبنان"

6. 22 ابريل 2026 "استراحة المحارب الشيعي".

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment