طوني نيسي *
السلام يحتاج إلى السيادة، والسيادة تحتاج إلى الدولة. هذه ليست عبارة سياسية، بل مبدأ يجب أن يشكل أساس أي مقاربة لمستقبل لبنان.
في ظل المسار الدبلوماسي الجديد بين الولايات المتحدة وإيران، ينشغل العالم بالملف النووي، وخفض التصعيد، ومنع اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط. وهي أهداف تستحق الدعم، لكن يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى لبنان:
هل يمكن تحقيق سلام مستدام فيما لا تزال الدولة اللبنانية عاجزة عن ممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها؟
في رأيي، الجواب هو لا.
لقد اعتاد المجتمع الدولي النظر إلى لبنان من خلال صراعات الآخرين: إيران، وإسرائيل، وسوريا، وحزب الله، بينما تكمن الأزمة الحقيقية في ضعف الدولة اللبنانية نفسها. فلا يمكن لأي جمهورية أن تستقر إذا لم تكن مؤسساتها الدستورية وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم، والسياسة الخارجية، وأمن الحدود، واحتكار السلاح.
هذا ليس مطلباً سياسياً، بل هو جوهر الدستور اللبناني، وروحية اتفاق الطائف، ومضمون قرارات مجلس الأمن 1559 و1680 و1701، التي تشكل معاً خارطة طريق متكاملة لاستعادة سيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتعزيز الجيش اللبناني باعتباره القوة العسكرية الشرعية الوحيدة.
بعد أكثر من عشرين عاماً على صدور القرار 1559، لا تزال هذه الأهداف غير مكتملة، ليس بسبب غياب النصوص القانونية، بل لأن المجتمع الدولي ركز على إدارة الأزمات بدلاً من معالجة أسبابها. فتم احتواء التصعيد مرات عديدة، لكن بقي الخلل البنيوي في الدولة، فعادت الأزمات تتكرر.
ومن هنا، فإن النظر إلى حزب الله باعتباره مجرد حزب لبناني أو مجرد ذراع إيرانية هو تبسيط مخلّ. فهو يجمع بين البعدين، ولذلك فإن معالجة هذه القضية تتطلب دعماً دولياً للدولة اللبنانية، لا استبدالها أو تجاوزها.
وفي هذا السياق، من الضروري التأكيد أن تنفيذ قرارات مجلس الأمن 1559 و1680 و1701 ليس مطلباً أميركياً أو إسرائيلياً، بل هو التزام قانوني دولي وافق عليه لبنان نفسه. وبالتالي، فإن استعادة سيادة الدولة ليست تنازلاً لأحد، بل هي تنفيذ للدستور وللالتزامات الدولية للجمهورية اللبنانية.
إن أي تفاهم أميركي ـ إيراني لن يكون نجاحاً حقيقياً إذا اقتصر على إدارة التوازنات الإقليمية، من دون أن يعزز مؤسسات الدولة اللبنانية ويعيد إليها حقها الحصري في اتخاذ القرار الوطني.
ومن هنا، فإن المطلوب من المجتمع الدولي هو دعم الدولة اللبنانية، وتعزيز الجيش اللبناني، والمساعدة على ضبط الحدود، وربط أي ترتيبات إقليمية بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، بما يعيد للدولة وحدها مسؤولية الدفاع عن الوطن وإدارة شؤونه.
إن لبنان القوي لا يشكل مصلحة للبنانيين وحدهم، بل هو أيضاً مصلحة للاستقرار الإقليمي وللمجتمع الدولي. فالدول القوية تصنع السلام، أما الدول الضعيفة فتصدر الأزمات.
ولا يمكن لدولة أن تكون سيدة إذا كان قرار الحرب خارج مؤسساتها، ولا يمكن لشعب أن يكون حراً إذا كانت سيادته موضع تفاوض بين الآخرين. إن مستقبل لبنان لن يُصنع في العواصم الإقليمية أو الدولية، بل في بيروت، عندما تستعيد الدولة حقها الحصري في تمثيل الأمة، ويستعيد اللبنانيون ثقتهم بجمهوريتهم.
فالسلام يحتاج إلى السيادة، والسيادة تحتاج إلى الدولة، والدولة لا تقوم إلا عندما يكون قرارها واحداً، وسلاحها واحداً، وتمثيلها واحداً أمام شعبها وأمام المجتمع الدولي.
* رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بلبنان











06/27/2026 - 12:26 PM





Comments