بقلم: فرنسوا الجردي
ليس من المبالغة القول إن اتفاق الإطار الثلاثي الموقع بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة يشكل أحد أهم التحولات السياسية والأمنية في تاريخ لبنان الحديث، وربما الحدث الأكثر تأثيراً منذ اتفاق الطائف عام 1989، واتفاق الهدنة لعام 1949، واتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022.
فالوثيقة لا تقتصر على تنظيم وقف الأعمال العسكرية، بل ترسم مشروعاً متكاملاً لإعادة صياغة الواقع الأمني والسياسي بين لبنان وإسرائيل، وتضع الدولة اللبنانية أمام مسؤولية تاريخية لاستعادة احتكارها الكامل للسلاح والقرار السيادي، بالتوازي مع انسحاب إسرائيل التدريجي من الأراضي اللبنانية وبدء مرحلة إعادة الإعمار.
غير أن أهمية الاتفاق لا تكمن في نصوصه فقط، بل في قدرته على الصمود أمام تعقيدات الواقع اللبناني والإقليمي.
أولاً: الاعتراف بالدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة
للمرة الأولى بهذا الوضوح، ينص الاتفاق على أن الدولة اللبنانية وحدها تمتلك قرار الحرب والسلم، وأن الجيش اللبناني هو القوة العسكرية الشرعية الوحيدة المكلفة بحماية البلاد. وهذا البند يحمل دلالات سياسية عميقة لأنه ينهي عملياً مفهوم ازدواجية السلاح، ويؤكد أن أي تنظيم مسلح خارج مؤسسات الدولة لن يكون له أي دور عسكري أو أمني مستقبلاً، وهو تحول ينسجم مع الدستور اللبناني واتفاق الطائف وقرارات مجلس الأمن، لكنه يبقى مرهوناً بقدرة الدولة على التنفيذ.
ثانياً: نزع السلاح... أصعب بنود الاتفاق
يتمثل البند الأكثر حساسية في الالتزام بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها حزب الله، مع تفكيك بنيتها العسكرية والتحقق الدولي من التنفيذ قبل استكمال الانسحاب الإسرائيلي. وهنا تكمن العقدة الأساسية، إذ إن النجاح يحتاج إلى قرار لبناني جامع وإرادة سياسية موحدة ودعم عربي ودولي.
ثالثاً: الجيش اللبناني أمام أكبر اختبار في تاريخه
يعطي الاتفاق الجيش اللبناني دوراً محورياً باعتباره الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن والدفاع. ويتطلب ذلك تعزيز القدرات البشرية، وتحديث التسليح، وتأمين التمويل والتدريب، لأن نجاح الاتفاق مرتبط بقدرة الجيش على ملء الفراغ الأمني.
رابعاً: إعادة الإعمار مقابل الإصلاح
يربط الاتفاق بوضوح بين إعادة الإعمار وتنفيذ الالتزامات الأمنية، بحيث تصبح المساعدات الدولية مرتبطة بالإنجاز الفعلي والشفافية والإصلاح.
خامساً: الطريق نحو سلام دائم
رغم أن الوثيقة ليست اتفاق سلام نهائياً، فإنها تضع أسساً قانونية وسياسية للوصول إليه عبر مفاوضات مباشرة وآليات لبناء الثقة والتنسيق.
سادساً: ماذا يربح لبنان؟
إذا نُفذ الاتفاق بالكامل، فقد يحقق لبنان استعادة السيادة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز دور الجيش، وإطلاق إعادة الإعمار، واستعادة الثقة الدولية، وجذب الاستثمارات.
سابعاً: المخاطر المحتملة
من أبرز المخاطر رفض بعض القوى تنفيذ نزع السلاح، والتجاذبات السياسية، والتوترات الإقليمية، وإمكان تعثر الدعم الدولي إذا تعثر التنفيذ.
ثامناً: الاتفاق فرصة لا يجوز إضاعتها
يقف لبنان أمام فرصة تاريخية لاستعادة الدولة ومؤسساتها، لكن نجاحها يتوقف على الإرادة الوطنية والحوار المسؤول ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
الخاتمة
اتفاق الإطار ليس مجرد وثيقة سياسية، بل امتحان حقيقي للدولة اللبنانية. فإذا أُحسن تنفيذه فقد يشكل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار والسيادة وإعادة البناء، أما إذا تعثر التنفيذ فقد يتحول إلى فرصة تاريخية ضائعة. ويبقى الرهان الأكبر على اللبنانيين في بناء دولة قوية ذات سلطة واحدة وسلاح شرعي واحد.











06/27/2026 - 08:51 AM





Comments