علي جزائري
في عالم السياسة والحروب، ليست كل المعارك تنتهي براية بيضاء أو باستسلام أحد الطرفين. فهناك مواجهات لا ينتصر فيها أحد انتصاراً كاملاً، ولا يُهزم فيها أحد هزيمة مطلقة، بل تنتهي بما يشبه مباراة ملاكمة امتدت إلى جولاتها الأخيرة، ليبقى الحكم مضطراً إلى احتساب النقاط.
هذا الوصف ينطبق إلى حد بعيد على المواجهة بين حزب الله وإسرائيل. فبعد أشهر من القتال والاستنزاف، يمكن القول إن الطرفين بقيا واقفين، لكن كلاً منهما خرج مثقلاً بالخسائر.
عسكرياً، أثبتت إسرائيل أنها لا تزال تمتلك تفوقاً جوياً واستخباراتياً وتكنولوجياً كبيراً، واستطاعت تنفيذ عمليات دقيقة واستهداف مواقع وشخصيات قيادية وإلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية واللوجستية لحزب الله، كما فرضت واقعاً أمنياً جديداً على جزء من الحدود، وأكدت قدرتها على نقل المعركة إلى عمق الأراضي اللبنانية.
لكن هذا التفوق لم يتحول إلى حسم سياسي أو عسكري كامل. فلم تستطع إسرائيل إنهاء وجود حزب الله، ولا نزع سلاحه، ولا القضاء على قدراته الصاروخية بصورة نهائية، وهي أهداف لطالما شكلت جزءاً من الخطاب الإسرائيلي. كما أن الجبهة الشمالية بقيت مصدر قلق دائم، واضطر عشرات الآلاف من سكان المستوطنات الحدودية إلى ترك منازلهم لفترات طويلة، في مشهد لم تعهده إسرائيل منذ عقود، إضافة إلى خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات نتيجة التعبئة العسكرية وتعطيل النشاط الاقتصادي.
في المقابل، تمكن حزب الله من إثبات قدرته على الصمود وإدارة حرب استنزاف طويلة، والمحافظة على جزء كبير من قدراته العملياتية، وفرض معادلة جعلت إسرائيل مضطرة لتخصيص قوات ضخمة للجبهة الشمالية. كما أظهر أن الجبهة اللبنانية لا تزال قادرة على التأثير في الحسابات العسكرية الإسرائيلية.
إلا أن هذا الصمود لم يكن مجانياً. فقد تكبد الحزب خسائر بشرية ومادية مؤلمة، وفقد عدداً من قادته ومقاتليه، كما تعرضت مناطق واسعة في جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لأضرار كبيرة، وارتفعت كلفة إعادة الإعمار إلى مستويات يصعب على الدولة اللبنانية تحملها في ظل انهيارها المالي.
أما الخاسر الأكبر، فهو لبنان نفسه. فاقتصاد يعاني أصلاً من الانهيار، وقطاع مصرفي مشلول، واستثمارات شبه معدومة، وجد نفسه أمام حرب جديدة عمقت الأزمة. تراجعت الحركة السياحية، وتأثرت الزراعة والصناعة في المناطق الحدودية، وازدادت هجرة الشباب، فيما بقيت الدولة عاجزة عن الإمساك بقرار الحرب والسلم أو عن إدارة تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
وعلى الجانب الإسرائيلي، ورغم التفوق العسكري، لم تحقق القيادة السياسية نصراً واضحاً يمكن تسويقه للرأي العام باعتباره إنجازاً تاريخياً. فالاستنزاف الطويل كشف أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها توفير الأمن الدائم أو إنهاء التهديدات غير التقليدية.
إذاً، من ربح بالنقاط؟
إذا كان المعيار هو التفوق العسكري والتقني، فقد تميل الكفة لمصلحة إسرائيل. وإذا كان المعيار هو القدرة على الصمود ومنع الخصم من تحقيق أهدافه الكاملة، فإن حزب الله يسجل نقاطاً مهمة. أما إذا كان المعيار هو المصلحة الوطنية والاقتصاد والاستقرار الإقليمي، فإن الجميع خسر بدرجات متفاوتة، فيما دفع المدنيون في لبنان وإسرائيل الثمن الأكبر.
لقد أثبتت هذه الجولة مرة جديدة أن الحروب الحديثة لم تعد تنتج منتصرين كما في الماضي، بل تخلق معادلات ردع جديدة وتعيد رسم خطوط الاشتباك من دون أن تحسم جذور الصراع. ولذلك، فإن أي طرف يعلن انتصاراً مطلقاً يتجاهل حقيقة أن فاتورة الحرب كانت باهظة على الجميع.
وفي النهاية، قد يكون الرابح الحقيقي الوحيد هو السلام، إن استطاع السياسيون تحويل الهدنة إلى تسوية طويلة الأمد. أما إذا بقيت الهدنة مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، فإن احتساب النقاط اليوم قد يصبح بلا قيمة أمام جولة جديدة قد تكون أكثر كلفة وأشد تدميراً.











06/27/2026 - 07:09 AM





Comments