بقلم د- محمد نصار
يشهد الخليج العربي، منذ عقود، صراعًا خفيًا ومكشوفًا على النفوذ الإقليمي، يتجلى في أبعاد سياسية واقتصادية معقدة. ورغم أن هذا الصراع لم ينتهِ بعد، إلا أن المتغيرات الأخيرة، لا سيما تلك المتعلقة بالدور الإقليمي لإسرائيل، تطرح تساؤلات حول مستقبل القيادة في هذه المنطقة الحيوية. وبينما تبدو السعودية وإيران كقوتين رئيسيتين تتنافسان على هذا الدور، فإن هزيمة إسرائيل، أو تراجع نفوذها بشكل ملموس، يفتح الباب أمام إعادة تقييم موازين القوى وتحديد القائد الفعلي للخليج العربي.
لطالما اعتمدت إسرائيل، في سعيها لتعزيز أمنها وتوسيع نفوذها، على استراتيجيات تهدف إلى تطويق خصومها الإقليميين، وعلى رأسهم إيران، وإضعاف أي تحالفات قد تشكل تهديدًا لها ، وقد شمل ذلك تقاربًا استراتيجيًا مع بعض دول الخليج، مستغلة المخاوف المشتركة من التوسع الإيراني. ومع ذلك، فإن الأحداث الأخيرة، من تدهور الوضع الأمني في بعض الجبهات إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة، قد أدت إلى إضعاف قدرة إسرائيل على لعب دور القيادة الفعلي أو التأثير بشكل حاسم في مسار الأحداث الإقليمية ، هذا التراجع، وإن لم يكن هزيمة بالمعنى التقليدي، إلا أنه يمثل نقطة تحول في الديناميكيات الإقليمية.
في هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية كمرشح رئيسي لقيادة الخليج العربي ، اقتصاديًا، تمتلك السعودية أكبر اقتصاد في المنطقة، وتعد أكبر منتج للنفط في العالم، مما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا هائلاً. استثمرت المملكة بشكل كبير في التنويع الاقتصادي، ورؤية 2030 تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز لوجستي وسياحي واستثماري عالمي ، هذا الطموح الاقتصادي يترجم إلى قدرة على التأثير في الدول المجاورة من خلال الاستثمارات، والمساعدات، والشراكات التجارية. كما أن موقعها الجغرافي ودورها التاريخي كحامية للمقدسات الإسلامية يمنحها شرعية دينية وسياسية خاصة في العالم الإسلامي، بما في ذلك دول الخليج.
سياسيا، تسعى السعودية إلى تعزيز دورها كقوة إقليمية مستقرة ، تتبنى المملكة سياسة خارجية نشطة، وتسعى جاهدة لبناء تحالفات إقليمية ودولية تدعم مصالحها ، لقد لعبت دورًا محوريًا في مجلس التعاون الخليجي، وتحاول تعزيز الوحدة بين دول الخليج لمواجهة التحديات المشتركة ، كما أن علاقاتها الوثيقة مع القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، تمنحها دعمًا استراتيجيًا واقتصاديًا ، ومع تراجع الدور الإسرائيلي، فإن الفراغ الذي سينتج قد يدفع دول المنطقة إلى الاعتماد بشكل أكبر على السعودية كقوة استقرار إقليمي.
في المقابل، تواجه إيران تحديات كبيرة في سعيها لقيادة الخليج ، اقتصاديًا، تعاني إيران من العقوبات الدولية التي فرضت عليها بسبب برنامجها النووي وسياساتها الإقليمية ، هذه العقوبات أضعفت قدرتها على الاستثمار في اقتصادها، وعلى تقديم المساعدات للدول الحليفة. كما أن اضطراباتها الداخلية وتقلباتها السياسية تحد من جاذبيتها كشريك اقتصادي مستقر.
سياسيا، تسعى إيران إلى توسيع نفوذها من خلال دعم الجماعات الحليفة في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، ومليشيات في العراق وسوريا ، تهدف هذه الاستراتيجية إلى خلق شبكة من الحلفاء تضمن لها نفوذًا جيوسياسيًا وتوفر لها عمقًا استراتيجيًا. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية أدت إلى عزل إيران عن العديد من الدول العربية، وزادت من التوترات الإقليمية ، إن هزيمة إسرائيل في سياق السيطرة الإقليمية لا تعني بالضرورة انتصارًا مطلقًا لإيران، بل قد تعني ببساطة تراجعًا في قدرة عدو مشترك، مما يفتح مساحة أكبر للصراعات الداخلية بين القوى الإقليمية.
إذا ما نظرنا إلى معركة السيطرة الإقليمية بعد تراجع الدور الإسرائيلي، فإن السعودية تبدو في وضع أقوى بكثير من إيران. القدرات الاقتصادية الضخمة للمملكة، ورؤيتها المستقبلية للتنويع الاقتصادي، وشبكة علاقاتها الدولية، وقدرتها على تقديم الدعم المالي للدول الأخرى، كلها عوامل تمنحها ميزة تنافسية كبيرة. في المقابل، فإن الاعتماد الإيراني على أدوات القوة غير المتماثلة، ودعم المليشيات، واستخدام الخطاب الأيديولوجي، وإن كان فعالًا في بعض الجوانب، إلا أنه لا يمكنه أن يضاهي القوة الاقتصادية والسياسية الشاملة التي تمتلكها السعودية.
علاوة على ذلك، فإن دول الخليج الأخرى، مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر، تلعب أدوارًا متزايدة الأهمية ، الإمارات، على سبيل المثال، تسعى إلى تعزيز موقعها كمركز تجاري ولوجستي عالمي، ولديها طموحات اقتصادية وسياسية خاصة بها. قطر، رغم التحديات التي واجهتها، تسعى إلى لعب دور الوسيط الإقليمي والدولي، ولديها قدرة على التأثير من خلال استثماراتها الخارجية وقنواتها الدبلوماسية. هذه الدول، وإن لم تصل إلى مستوى التأثير السعودي أو الإيراني، إلا أنها تشكل عاملًا مهمًا في توازنات القوى الإقليمية.
إن مستقبل قيادة الخليج العربي لن يكون مسألة بسيطة تتعلق بانتصار قوة على أخرى، بل سيكون نتيجة لتفاعل معقد بين القوى الإقليمية والدولية، وبين العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ومع تراجع الدور الإسرائيلي، فإن الفرصة مواتية للسعودية لتعزيز قيادتها، ولكن ذلك يتطلب استراتيجيات حكيمة، وقدرة على بناء الثقة، وتقديم رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة ، ستحتاج السعودية إلى إقناع جيرانها بأن قيادتها ستكون شاملة، وستعمل على تحقيق الاستقرار والرخاء للجميع، وليس فقط لتعزيز مصالحها الخاصة.
في الختام، فإن التغيرات في المشهد الإقليمي، لا سيما فيما يتعلق بدور إسرائيل، تفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى في الخليج العربي ، وبينما تبقى إيران قوة إقليمية مؤثرة، فإن المملكة العربية السعودية، بفضل قوتها الاقتصادية الهائلة، وطموحاتها الاستراتيجية، وعلاقاتها الدولية، تبدو في وضع أفضل لقيادة المنطقة سياسياً واقتصادياً ، ومع ذلك، فإن تحقيق هذه القيادة يتطلب أكثر من مجرد القوة. إنه يتطلب الحكمة، والقدرة على بناء التوافق، وتقديم رؤية مشتركة لمستقبل يسوده الاستقرار والرخاء لجميع دول الخليج.












06/24/2026 - 18:02 PM





Comments