بين التحذير الأميركي وغياب الرؤية المسيحية: من يدافع عن الوجود إذا غاب أهله؟

06/22/2026 - 21:43 PM

Bt adv

 

 

بقلم: فرنسوا الجردي

في السياسة، لا تأتي الرسائل الدولية الكبرى من فراغ، ولا تُطلق المواقف المتعلقة بمصير المكونات الأساسية في أي دولة من باب المجاملة أو العواطف. ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة التي نُسبت إلى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بشأن مسيحيي لبنان، سواء قرئت من زاوية القلق أو من زاوية التنبيه، تطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا بات الآخرون أكثر انشغالاً بمستقبل المسيحيين في لبنان من قياداتهم السياسية والروحية؟

إن الخطر الحقيقي الذي يواجه المسيحيين في لبنان اليوم لا يتمثل فقط في التراجع الديموغرافي أو الهجرة أو الأزمات الاقتصادية، بل في غياب المشروع السياسي الموحد والرؤية الاستراتيجية المشتركة التي تؤمن استمرارية دورهم التاريخي في الدولة اللبنانية.

أزمة قيادة أم أزمة رؤية؟

من الظلم تحميل المسؤولية لطرف واحد أو لشخص بعينه، لأن الأزمة أعمق من مجرد خلافات سياسية عابرة. ما يواجه المسيحيين اليوم هو أزمة رؤية وطنية واستراتيجية طويلة الأمد.

ففي الوقت الذي تعيد فيه المنطقة رسم خرائطها السياسية والأمنية والاقتصادية، لا تزال معظم القيادات المسيحية أسيرة حسابات انتخابية ضيقة، أو سجالات تاريخية تجاوزها الزمن، أو نزاعات شخصية وحزبية تستنزف ما تبقى من قوة الحضور المسيحي.

بدلاً من التفكير في كيفية تثبيت الشباب في أرضهم، وتأمين فرص العمل لهم، وتعزيز اللامركزية الإنمائية، وحماية التوازنات الدستورية، والانخراط في بناء الدولة الحديثة، ينشغل كثيرون بإعادة إنتاج الخلافات القديمة وكأن الزمن توقف عند محطات الحرب أو ما بعدها.

الوجود المسيحي ليس قضية حزبية

إن الوجود المسيحي في لبنان ليس ملكاً لحزب أو تيار أو زعيم. إنه قضية وطنية تتعلق بأحد المكونات المؤسسة للكيان اللبناني.

ولذلك فإن التحديات الوجودية لا تُواجه بخطابات شعبوية أو بمزايدات إعلامية، بل بخطة عمل واضحة تتفق عليها المرجعيات السياسية والروحية كافة، مهما كانت خلافاتها.

فالمطلوب اليوم ليس إلغاء التعددية داخل البيئة المسيحية، بل تنظيمها ضمن ثوابت وطنية مشتركة، تماماً كما تفعل معظم المكونات السياسية الناجحة في العالم عندما تواجه تحديات مصيرية.

أين الدور الروحي؟

التاريخ اللبناني يُظهر أن البطريركية المارونية وسائر المرجعيات الروحية المسيحية لعبت أدواراً مفصلية في حماية لبنان والدفاع عن استقلاله وسيادته وصيغته التعددية.

لكن المرحلة الراهنة تتطلب انتقال المرجعيات الروحية من موقع المراقب إلى موقع المبادِر. ليس عبر الانخراط في الصراعات السياسية اليومية، بل عبر جمع القيادات حول طاولة واحدة وصياغة رؤية إنقاذية مشتركة.

فالكنيسة كانت تاريخياً صمام أمان في المراحل المصيرية، واليوم تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى مبادرة جامعة تعيد ترتيب الأولويات وتمنع استمرار الاستنزاف الداخلي.

الدعم الدولي موجود... لكن أين المشروع؟

المفارقة أن المسيحيين في لبنان لا يعانون من عزلة دولية. فالعواصم الغربية الكبرى، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والعديد من الدول العربية، لا تزال تعتبر أن التعددية اللبنانية والوجود المسيحي عنصران أساسيان في استقرار لبنان والمنطقة.

لكن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يبني مشروعاً نيابة عن اللبنانيين، ولا يمكنه أن يحمي جماعة لا تملك رؤية موحدة لحماية نفسها ضمن إطار الدولة.

فالدعم الخارجي، مهما بلغ حجمه، يبقى عاملاً مساعداً لا بديلاً عن الإرادة الداخلية والتنظيم السياسي والرؤية الاستراتيجية.

منطق الدولة لا منطق الخوف

إن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه القيادات المسيحية هو إدارة المرحلة بعقلية الخوف أو الشعور بالحصار. فالمسيحيون لم يكونوا يوماً مجرد أقلية تبحث عن حماية، بل كانوا شركاء مؤسسين في صناعة لبنان الحديث وفي بناء مؤسساته الدستورية والثقافية والتربوية والاقتصادية.

من هنا، فإن حماية الدور المسيحي لا تكون بالانعزال أو بالرهان على الخارج أو باستعادة معارك الماضي، بل بالمساهمة الفعلية في بناء دولة قوية وعادلة وقادرة تحتضن جميع اللبنانيين.

خارطة طريق مطلوبة

إذا كانت القيادات المسيحية تدرك فعلاً حجم التحديات المقبلة، فإن المطلوب منها إطلاق ورشة وطنية تتضمن:

1. عقد مؤتمر تشاوري دائم بين المرجعيات الروحية والقيادات السياسية المسيحية.

2. وضع رؤية موحدة لحماية الوجود المسيحي عبر التنمية والبقاء في الأرض.

3. إعداد خطة اقتصادية واجتماعية خاصة بالمناطق التي تشهد نزيفاً سكانياً وهجرة متزايدة.

4. تعزيز حضور الشباب في الحياة السياسية والحزبية والنقابية.

5. التمسك بالدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية كمرجعية وحيدة للأمن والسيادة.

6. توحيد الموقف في القضايا الوطنية الكبرى مع الحفاظ على التعددية السياسية.

7. تفعيل العلاقات العربية والدولية لخدمة لبنان ككل وليس لخدمة مشاريع فئوية ضيقة.

الخلاصة

الخطر الذي يهدد المسيحيين في لبنان ليس قدراً محتوماً، لكنه يصبح كذلك إذا استمرت حالة التشرذم والانقسام وغياب الرؤية. فاللحظات التاريخية لا ترحم المترددين، والشعوب التي تفشل في قراءة التحولات الكبرى تدفع أثماناً باهظة.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج المسيحيون في لبنان إلى الانتقال من سياسة ردود الفعل إلى سياسة المبادرة، ومن إدارة الخلافات إلى صناعة التفاهمات، ومن التنافس على الزعامة إلى التنافس على إنقاذ الدور والرسالة.

فالأوطان لا يحميها القلق، بل تحميها الرؤية. ولا يصنع المستقبل من يعيش في الماضي، بل من يقرأ المتغيرات ويستعد لها قبل أن تفرض نفسها عليه.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment