لبنان يدخل معركة التفاوض مع إسرائيل: بين ضرورات الدولة وحدود القوة… ودور السفيرة اللبنانية في واشنطن

06/22/2026 - 20:47 PM

San diego

 

 

بيروت، واشنطن - تحقيق جورج ديب

يخوض لبنان اليوم واحدة من أكثر جولات التفاوض حساسية في تاريخه الحديث، جولة تُعقد في واشنطن على مستوى السفراء، وتجمع بين السفيرة اللبنانية في العاصمة الأميركية ندى معوّض و السفير سيمون كرم، والسفير الإسرائيلي يحئيل لايتر، وبرعاية مباشرة من الإدارة الأميركية عبر السفير ميشال عيسى ومسؤولين في وزارة الخارجية الاميركية.

هذه الجولة ليست تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل محطة سياسية تُختبر فيها قدرة الدولة اللبنانية على تثبيت شروطها، وحماية مصالحها، ومنع انزلاق الملف إلى مسارات تُفرض عليها من الخارج. وفي قلب هذا المشهد، يبرز الدور المحوري للسفيرة اللبنانية في واشنطن، التي تجد نفسها في موقع متقدم داخل معركة سياسية ودبلوماسية معقدة، تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية والدولية، وتتشابك فيها الضغوط الأميركية والإسرائيلية مع الهواجس اللبنانية الداخلية.

منذ الإعلان عن موعد المفاوضات، بدا واضحاً أن لبنان يدخل إلى الطاولة مثقلاً بملفات داخلية متراكمة: أزمة اقتصادية خانقة، انقسام سياسي حاد، وواقع أمني هش على الحدود الجنوبية. لكن رغم ذلك، فإن الدولة اللبنانية تحاول أن تُظهر تماسكاً في موقفها الرسمي، مستندة إلى إعلان رئيس الجمهورية جوزاف عون بأن أي مفاوضات يجب أن تُجرى في ظل وقف إطلاق النار، وهو شرط أساسي يهدف إلى منع إسرائيل من استخدام الضغط العسكري كأداة تفاوضية. في المقابل، تُصرّ إسرائيل على أن المفاوضات ستجري "تحت النار"، وفق ما نقلته وسائل إعلامها، في محاولة واضحة لفرض ميزان قوى ميداني ينعكس على الطاولة.

في هذا السياق، يبرز الدور الأميركي كعامل حاسم. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يوازن بين مصالح بلاده في الشرق الأوسط وبين مفاوضاته الحساسة مع إيران في باكستان، طلب تخفيض حدة الضربات في لبنان "لا وقفها"، وهو موقف يعكس رغبة واشنطن في إبقاء الضغط قائماً على لبنان دون الوصول إلى انفجار شامل قد يعرقل مسارها التفاوضي مع طهران. هذا التوازن الأميركي يضع السفيرة اللبنانية أمام تحدٍّ إضافي: كيف تحافظ على علاقة عمل فعّالة مع الإدارة الأميركية، وفي الوقت نفسه تمنع انزلاق المفاوضات إلى شروط غير مقبولة لبنانياً.

السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوّض، التي تمثل لبنان في هذه الجولة، ليست مجرد موظفة دبلوماسية تنقل رسائل. إنها اليوم رأس الحربة في معركة سياسية دقيقة، تتطلب قدرة على قراءة المزاج الأميركي، وفهم آليات الضغط الإسرائيلي، وإدارة التوازنات اللبنانية الداخلية. وجودها في واشنطن يمنحها موقعاً استثنائياً، فهي على تماس مباشر مع دوائر القرار الأميركي، وتدرك جيداً أن واشنطن ليست وسيطاً محايداً، بل طرفاً يسعى إلى تحقيق مصالحه الاستراتيجية، وفي مقدمتها ضمان أمن إسرائيل واستقرار المنطقة بما يخدم أولوياتها.

السفيرة اللبنانية في واشنطن شدّدت على ضرورة أن يتم التنسيق مباشرة مع الرئيس جوزاف عون في أي مقاربة تتعلق بالملفات اللبنانية، مؤكدة أنّ الحكومة اللبنانية طالبت بأن تكون شريكًا كاملًا في كل ما يخص لبنان ضمن المفاوضات الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران.

من هنا، فإن دورها يتجاوز الجانب البروتوكولي. فهي مطالبة بأن تُظهر صلابة في الموقف، ومرونة في الأسلوب، وقدرة على المناورة بين خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، ومساحات رمادية يمكن استثمارها. نجاحها في هذه المهمة يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية:

أولاً، وضوح التكليف السياسي الذي تحمله من بيروت؛

ثانياً، قدرتها على بناء شبكة دعم داخل المؤسسات الأميركية؛

وثالثاً، مهارتها في تفكيك الخطاب الإسرائيلي الذي يحاول تصوير لبنان كطرف ضعيف أو غير قادر على الالتزام بأي اتفاق.

على المستوى السياسي، يدرك لبنان أن أي تفاوض مع إسرائيل يحمل حساسية داخلية كبيرة، وأن أي تنازل غير محسوب قد يُفجّر الساحة الداخلية. لذلك، فإن الدولة اللبنانية تحاول أن تُظهر أن المفاوضات ليست تنازلاً سيادياً، بل محاولة لحماية لبنان من حرب مفتوحة، ولإعادة ترتيب قواعد الاشتباك بما يمنع إسرائيل من استغلال الوضع الداخلي اللبناني. وفي هذا الإطار، تلعب السفيرة معوّض دوراً محورياً في شرح الموقف اللبناني للجانب الأميركي، وتفنيد الرواية الإسرائيلية التي تحاول تحميل لبنان مسؤولية التصعيد.

أما على المستوى الإقليمي، فإن المفاوضات تأتي في لحظة تتغير فيها موازين القوى في الشرق الأوسط. فإيران تخوض مفاوضات حساسة مع الولايات المتحدة، وسوريا تعيش مرحلة إعادة تموضع، والخليج يعيد حساباته الأمنية. كل هذه العوامل تجعل من الملف اللبناني ورقة قابلة للاستثمار من قبل القوى الكبرى. وهنا، يصبح دور السفيرة اللبنانية مضاعفاً، فهي مطالبة بأن تمنع تحويل لبنان إلى ساحة مقايضة بين واشنطن وطهران، وأن تؤكد أن لبنان ليس ورقة تفاوضية بل دولة ذات سيادة ومصالح واضحة.

من جهة أخرى، فإن إسرائيل تدخل المفاوضات وهي تدرك أن الوضع اللبناني الداخلي قد يشكل نقطة ضعف. لكنها أيضاً تدرك أن أي اتفاق مع لبنان، ولو كان محدوداً، قد يمنحها مكاسب استراتيجية، سواء عبر تهدئة الحدود الشمالية، أو عبر فتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة. لذلك، فإن إسرائيل ستسعى إلى استغلال اللحظة لفرض شروط قاسية، وهو ما يتطلب من الوفد اللبناني، وعلى رأسه السفيرة معوّض، أن يكون مستعداً لمواجهة خطاب إسرائيلي مبني على القوة والتهديد.

في المقابل، فإن لبنان يمتلك أوراق قوة لا يمكن تجاهلها. أولها أن أي اتفاق يحتاج إلى غطاء دولي، وأن واشنطن لا تستطيع فرض اتفاق لا يحظى بحد أدنى من القبول اللبناني. وثانيها أن إسرائيل تدرك أن استمرار المواجهة العسكرية يحمل مخاطر كبيرة، خصوصاً في ظل هشاشة جبهتها الداخلية. وثالثها أن المجتمع الدولي، رغم انشغالاته، لا يريد حرباً جديدة في الشرق الأوسط. هذه الأوراق تمنح لبنان مساحة للمناورة، شرط أن تُدار بذكاء وهدوء.

ختاماً، يمكن القول إن لبنان يدخل هذه الجولة من المفاوضات وهو يدرك حجم التحديات، لكنه أيضاً يدرك أن التفاوض ليس ضعفاً، بل محاولة لحماية مصالحه في لحظة إقليمية مضطربة. وفي قلب هذه المعركة، تقف السفيرة ندى معوّض كأحد أهم عناصر القوة اللبنانية، تحمل على عاتقها مهمة الدفاع عن موقف بلدها، وتثبيت حضوره على طاولة تفاوض لا مكان فيها للضعفاء. إنها لحظة اختبار للدولة اللبنانية، وللدبلوماسية اللبنانية، ولقدرة لبنان على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى حماية سيادته في زمن تتداخل فيه المصالح الكبرى وتتشابك فيه الحسابات الإقليمية والدولية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment