مفيد خطَّار

في الشَّيْخُوخَةِ تتبدَّلُ أشياءُ كثيرة، ليس أقلُّها معنى القُوَّة. فما كان يُقاسُ يومًا بما يُنجِزُه الإنسان أو بما يفرضُه من حضور، يُصبحُ يُقاسُ بما يحتملُه من ضَعف، وبما يُحافظُ عليه من سلامٍ داخليٍّ وسط تقلُّبات العمر.

في هذه المرحلة، لا يعودُ الإنسانُ منشغلًا بإثباتِ نفسه للآخرين بقدر ما ينشغلُ بفهمِ نفسه. تتراجعُ الرغبةُ في السَّيطرة، ويكبرُ الوعيُ بأنَّ الحياةَ ليست مشروعًا للغَلَبَة الدائمة، بل مسيرةٌ يتعلَّم فيها المرءُ كيف يقبلُ ما لا يستطيعُ تغييرَه، وكيف يُحوِّل الخسارةَ إلى حِكْمَة، والانتظارَ إلى رجاء.

الشَّيْخُوخَةُ ليست هزيمةً للجسد بقدر ما هي امتحانٌ للرُّوح. فحين تضعفُ القدرةُ على الحركة والعمل، يُدعى الإنسانُ إلى اكتشافِ مصادرَ أخرى للقوَّة: قوَّةِ الصبر، وقوَّةِ الامتنان، وقوَّةِ الثبات في مواجهة ما لا يمكنُ دفعُه أو تأجيلُه.

عندئذٍ يُصبحُ الصمتُ أكثرَ بلاغةً من كثيرٍ من الكلام. ليس لأنَّ الإنسانَ لم يَعُد يملكُ ما يقولُه، بل لأنَّه تعلَّم أنَّ بعضَ الحقائق لا تُشرَح بقدر ما تُعاش. وتُصبحُ الطاعةُ، في معناها العميق، أصدقَ من البطولة؛ لأنَّ الثباتَ في زمنِ الضَّعف يحتاجُ أحيانًا إلى شجاعةٍ تفوقُ تلك التي يحتاجُها النجاحُ في زمنِ القوَّة.

وفي هذا النُّضج المتأخِّر، يكتشفُ الإنسانُ أنَّ الإيمانَ ليس فكرةً يُدافع عنها، بل سَنَدٌ يتَّكئ عليه. فالصلاةُ تغدو حاجةً أكثرَ منها واجبًا، والرَّجاءُ رفيقًا أكثرَ منه مفهومًا، والثقةُ بالله طريقًا لعبور ما يعجزُ الإنسانُ عن حملِه وحده.

هكذا تكشفُ الشَّيْخُوخَةُ حقيقتَها: ليست زمنَ ما يفقدُه الإنسان، بل زمنَ ما يكتشفُه. ففي نهاية المطاف، لا تُقاسُ الحياةُ بما جمعناه من إنجازات، بل بما اكتسبناه من حِكْمَة، وما تعلَّمناه من حدودِنا، وما احتفظنا به من محبَّةٍ وإيمانٍ حتّى آخر الطريق.