روجيه ابو فاضل
في قرار قضائي استثنائي يكرّس المفهوم الحديث للعدالة الجزائية وحماية الأطفال من الاستغلال، أصدرت الهيئة الاتهامية في جبل لبنان المؤلفة من الرئيس القاضي فادي العريضي والمستشارتين مارجي مجدلاني وسيسيل سرحال قراراً يمكن اعتباره من القرارات الرائدة في الاجتهاد القضائي اللبناني، بعدما رفضت النظر إلى طفلة قاصر على أنها مجرد مرتكبة لجنحة سرقة، وذهبت أبعد من ذلك لتعتبرها ضحية استغلال من قبل والدها الذي استخدم سلطته الأبوية لدفعها إلى ارتكاب الجرائم والاستفادة من عائداتها.
ويكتسب هذا القرار أهمية قانونية وإنسانية خاصة كونه لم يكتف بملاحقة الفاعل الأساسي، بل سلط الضوء على واقع خطير يتمثل باستغلال الأطفال من قبل ذويهم وتحويلهم إلى أدوات لتنفيذ أفعال جرمية، وهو ما دفع الهيئة الاتهامية إلى تطبيق النصوص القانونية الأكثر حماية للقاصر، معتبرة أن الطفلة كانت ضحية قبل أن تكون مرتكبة.
وقد استندت الهيئة في مقاربتها إلى أحكام القانون رقم 422/2002 المتعلق بحماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرضين للخطر، ولا سيما المواد التي تفرض مراعاة المصلحة الفضلى للطفل وتأمين الحماية القانونية والاجتماعية له، كما استندت إلى أحكام القانون رقم 164/2011 المتعلق بمكافحة جريمة الاتجار بالأشخاص، والذي أعطى حماية خاصة للضحايا وأجاز إعفاءهم من العقاب عندما يكونون قد وقعوا تحت تأثير الاستغلال أو الإكراه.
ومن خلال قراءة متأنية للقرار، يتبين أن الهيئة الاتهامية برئاسة القاضي فادي العريضي وعضوية القاضيتين مارجي مجدلاني وسيسيل سرحال قدمت نموذجاً قضائياً متقدماً يجمع بين تطبيق القانون بحزم في مواجهة المرتكبين وبين حماية الفئات الضعيفة ولا سيما الأطفال من الوقوع ضحايا للاستغلال. فبدلاً من الاكتفاء بمعاقبة القاصر اتجهت الهيئة إلى معالجة أصل المشكلة وملاحقة من استغل طفولتها وحولها إلى وسيلة لتحقيق منافع غير مشروعة.
ويعتبر عدد من القانونيين أن هذا القرار يشكل محطة قضائية لافتة لما يتضمنه من قراءة متطورة لمفهوم حماية الطفل ولأنه يرسخ مبدأ أساسياً مفاده أن العدالة الحقيقية لا تقتصر على العقاب بل تمتد إلى حماية الضحية وكشف من يقف خلف استغلالها، وهو ما نجحت الهيئة الاتهامية في تكريسه من خلال هذا القرار الذي قد يشكل مرجعاً واجتهاداً مهماً في الملفات المماثلة مستقبلاً.
وبالعودة إلى وقائع الملف، يتبين أن القضية بدأت بتاريخ 8/4/2025 عندما قامت دورية من شرطة بلدية الشويفات بتسليم القاصر آ. م. إلى فصيلة درك الشويفات بعد ضبطها داخل سوبرماركت Coop فرع بشامون للاشتباه بإقدامها على السرقة من داخل المتجر.
وعلى إثر ذلك اتخذت الشركة المتحدة للأسواق المركزية صفة الادعاء الشخصي بحق القاصر بجرم سرقة أغراض من داخل التعاونية، حيث أفاد ممثل الشركة أن الفتاة سبق أن أقدمت على سرقات مماثلة من فروع أخرى عائدة للشركة وتم تنظيم محاضر سابقة بحقها، كما أبرز قرصاً مدمجاً يتضمن تسجيلات مصورة توثق عملية السرقة.
وخلال التحقيقات الأولية التي أجريت لدى فصيلة الشويفات بحضور مندوب الأحداث، اعترفت القاصر بأنها توجهت يوم توقيفها إلى فرع التعاونية بقصد السرقة إلا أنها تراجعت عن تنفيذ العملية بسبب الخوف. كما أقرت بأنها سبق أن أقدمت على سرقات مماثلة قبل نحو شهر، مؤكدة أن المسروقات كانت تسلمها إلى والدها م. م. الذي كان يتولى بيعها والاستفادة من ثمنها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أكدت القاصر بصورة واضحة أن والدها هو من كان يدفعها إلى السرقة ويطلب منها التوجه إلى المتاجر لهذا الغرض، كما كان يحدد لها نوعية السلع المطلوب الاستيلاء عليها وينتظرها خارج المتجر إلى حين خروجها حاملة المسروقات ليقوم باستلامها منها.
وفي المقابل، أنكر الأب ما نسب إليه خلال التحقيقات، إلا أنه أقر بعلمه بأن ابنته كانت ترتكب عمليات سرقة من داخل المحال التجارية، معترفاً بأنه كان يستبدل بعض المسروقات التي تحضرها بأغراض يحتاجها أولاده مثل الحليب والحفاظات، مدعياً في الوقت نفسه أنه كان يطلب منها التوقف عن القيام بهذه الأفعال.
وأمام المرجع القضائي المختص بالأحداث، كررت القاصر إفادتها السابقة وأكدت مجدداً أن والدها هو من كان يطلب منها تنفيذ السرقات ويستفيد من عائداتها، في حين تمسك الأب بإنكاره ونفى أن يكون قد دفعها أو أجبرها على ارتكاب تلك الأفعال.
وعند انتقال الهيئة الاتهامية إلى مناقشة الأدلة، اعتبرت أن الوقائع ثابتة بصورة كافية استناداً إلى الادعاء العام والادعاء الشخصي وإفادات القاصر المتكررة أمام الضابطة العدلية والمرجع القضائي المختص وإلى أقوال الأب نفسه وما تضمنته من اعترافات ضمنية بعلمه بالسرقات وباستفادته من المسروقات فضلاً عن التسجيلات المصورة والقرص المدمج المبرز في الملف والقرار الظني وسائر عناصر التحقيق.
ورأت الهيئة أن إنكار الأب لا يصمد أمام الوقائع الثابتة والأدلة المتوافرة في الملف، معتبرة أن هذا الإنكار جاء في إطار محاولة التنصل من المسؤولية الجزائية بعدما ثبت من خلال التحقيقات أنه لم يكن مجرد شخص يعلم بما تقوم به ابنته، بل كان المحرك الأساسي للأفعال الجرمية والمستفيد المباشر منها.
وفي واحدة من أبرز النقاط القانونية التي تضمنها القرار، اعتبرت الهيئة الاتهامية أن الأب لم يكتف بتحريض ابنته القاصر على السرقة، بل استغل سلطته الوالدية عليها واستفاد من حالة الضعف الملازمة لطفلة قاصر تخضع لسلطته المباشرة، فأجبرها على تنفيذ السرقات ونقلها إلى أماكن ارتكابها وانتظرها خارج المتاجر لاستلام المسروقات منها وبيعها لاحقاً.
وانطلاقاً من هذه الوقائع، خلصت الهيئة إلى أن الأفعال المرتكبة تجاوزت إطار جنحة السرقة والتحريض عليها لتدخل في نطاق جناية الاتجار بالأشخاص المنصوص عليها في المادة 586 من قانون العقوبات والمستحدثة بموجب القانون رقم 164/2011، باعتبار أن الأب استغل طفلة قاصراً خاضعة لسلطته الأبوية لتحقيق منفعة مادية غير مشروعة.
كما اعتبرت الهيئة أن قيام الأب بخلق التصميم الجرمي في ذهن ابنته وإجبارها على تنفيذ السرقات والاشتراك معها فيها واستلام المسروقات منها لاحقاً يشكل أيضاً أفعالاً جرمية مستقلة تنطبق عليها أحكام التحريض والاشتراك الجرمي المنصوص عليها في قانون العقوبات.
أما بالنسبة للقاصر، فقد أكدت الهيئة أن فعل السرقة ثابت بحقها من الناحية القانونية، إلا أنها شددت في الوقت نفسه على أن وضعها يختلف بصورة جوهرية عن وضع والدها، كونها كانت خاضعة لسلطته المباشرة وتقع تحت تأثيره وإكراهه واستغلاله، الأمر الذي يفرض تطبيق قواعد الحماية الخاصة بالأحداث المنصوص عليها في القانون رقم 422/2002.
وفي هذا السياق، استندت الهيئة إلى المبادئ الأساسية التي أرساها المشرع اللبناني في قانون حماية الأحداث والتي توجب إعطاء الأولوية المطلقة للمصلحة الفضلى للطفل وتأمين الحماية القانونية والاجتماعية له في جميع مراحل الملاحقة والتحقيق والمحاكمة.
كما ربطت الهيئة بين هذه المبادئ وبين أحكام قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص ولا سيما المادة 586/8 من قانون العقوبات التي تهدف إلى حماية ضحايا الاتجار بالأشخاص وعدم معاملتهم كمجرمين عندما يكونون قد ارتكبوا الأفعال المنسوبة إليهم نتيجة الاستغلال الذي تعرضوا له.
وبناء على ذلك، أصدرت الهيئة الاتهامية قرارها باتهام م. م. بجناية الاتجار بالأشخاص وإحالته أمام محكمة الجنايات في جبل لبنان وإصدار مذكرة إلقاء قبض بحقه، مع الظن به أيضاً بجرائم التحريض والاشتراك في السرقة. كما قررت الظن بالقاصر وفق أحكام قانون الأحداث وإحالة ملفها إلى المرجع المختص قانوناً، مؤكدة بصورة واضحة أن العدالة لا تقتضي فقط ملاحقة المرتكب، بل تقتضي أيضاً حماية الطفل عندما يتحول إلى ضحية استغلال ممن كان يفترض به أن يكون مصدر الأمان والرعاية له.
ويشكل هذا القرار الصادر بتاريخ 5/6/2026 محطة قضائية لافتة في الاجتهاد اللبناني، ليس فقط لجهة تطبيق أحكام قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص على وقائع جرت داخل إطار عائلي، بل أيضاً لجهة تكريس مبدأ حماية الطفل الضحية وإعطاء الأولوية لمصلحته الفضلى. كما يبرز الدور القضائي الذي اضطلعت به الهيئة الاتهامية برئاسة القاضي فادي العريضي وعضوية القاضيتين مارجي مجدلاني وسيسيل سرحال في مقاربة ملف شديد الحساسية، حيث جمعت بين التطبيق الصارم للقانون بحق المستغل وبين توفير المظلة القانونية والإنسانية للقاصر التي وجدت نفسها ضحية سلطة أبوية استغلت طفولتها وحاجتها وضعفها لتحقيق منافع غير مشروعة.










06/17/2026 - 15:09 PM





Comments