لبنان لا يستطيع أن يحمل هذا العبء وحده حزب الله، إيران، ومسألة السيادة

06/14/2026 - 22:21 PM

San diego

 

 

طوني نيسي *

على مدى عقود، عاش لبنان في ظل وهمٍ سياسي كبير. فقد تعاملت الحكومات المتعاقبة، والقيادات السياسية، والوسطاء الدوليون، مع ترسانة حزب الله العسكرية على أنها مسألة لبنانية داخلية يمكن حلّها مع الوقت عبر الحوار أو التسويات أو التطور السياسي التدريجي. إلا أن الوقائع أثبتت عكس ذلك. واليوم، فيما يدخل لبنان مرحلة جديدة من المفاوضات والترتيبات الأمنية والانخراط الدولي، بات من الضروري مواجهة الحقيقة بوضوح وشجاعة. فالسؤال الأساسي الذي يواجه لبنان ليس ما إذا كان حزب الله يمتلك السلاح، بل: هل تستطيع الجمهورية اللبنانية ممارسة سيادتها الكاملة فيما توجد على أراضيها منظمة عسكرية ترتبط استراتيجياً بقوة خارجية؟ لسنوات طويلة تمّ تجنب هذا السؤال، أما اليوم فلم يعد بالإمكان تأجيله.

 

حزب الله والمرشد الأعلى

لا يزال هناك جدل بين الباحثين والمحللين حول حجم الاستقلالية التي يتمتع بها حزب الله. فالبعض يرى أنه تطور ليصبح حركة سياسية لبنانية تمتلك هامشاً واسعاً من القرار الذاتي، بينما يرى آخرون أنه ما زال مرتبطاً بصورة جوهرية بالأهداف الاستراتيجية الإيرانية. ومن وجهة نظري، فإن الوقائع لا تترك مجالاً كبيراً للالتباس. فقيادة حزب الله أعلنت مراراً التزامها بعقيدة ولاية الفقيه وولاءها للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهذه ليست تهمة يوجهها خصوم الحزب إليه، بل مبدأ يعلنه الحزب بنفسه. وعليه، فإن المسألة ليست ما إذا كان الحزب يدير شؤونه المحلية أو يشارك في الانتخابات أو يقدم الخدمات الاجتماعية، بل من يقرر الحرب والسلم؟ من يقرر إدخال لبنان في صراع إقليمي؟ من يقرر إطلاق الصواريخ أو قبول وقف إطلاق النار؟ إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة تقع خارج لبنان، فإن القضية لم تعد داخلية فحسب، بل تصبح قضية إقليمية ودولية بامتياز.

 

حزب الله ليس مشكلة لبنانية فقط

إن أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبها اللبنانيون والمجتمع الدولي كان اعتبار حزب الله قضية داخلية لبنانية حصراً. فبسبب ارتباطاته العقائدية والعسكرية والمالية والاستراتيجية بإيران، لا يمكن النظر إليه من زاوية داخلية فقط. فدوره وحساباته وتحالفاته تتجاوز الحدود اللبنانية، وبالتالي فإن التحدي الذي يواجه لبنان يتجاوز هو أيضاً حدود لبنان. ولا يمكن لأي دولة مسؤولة أن تُطلب منها مواجهة تحدٍّ بهذا الحجم بمفردها.

 

دروس ثورة الأرز

بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وانطلاق ثورة الأرز، وقف العالم الحر إلى جانب لبنان وسيادته، وحقق اللبنانيون إنجازات تاريخية أبرزها انسحاب الجيش السوري وحشد تأييد دولي واسع. إلا أن خطأً استراتيجياً ارتُكب حين أصرّت قيادات الرابع عشر من آذار على اعتبار حزب الله قضية لبنانية داخلية يمكن معالجتها بالحوار الوطني. لكن التحدي الذي جذوره وتمويله وتسليحه ومرجعيته تمتد خارج لبنان لم يكن قابلاً للحل داخلياً. وخلال سنوات الحوار، توسعت قدرات الحزب وتعاظم نفوذه، ففشل جزء أساسي من المشروع السيادي لأن كثيرين رفضوا الاعتراف بالطبيعة الحقيقية للمشكلة. وهذا الدرس يجب ألا يُنسى اليوم.

 

معنى الاتفاق الأميركي – الإيراني

أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى تفاهم تاريخي يهدف إلى إنهاء مرحلة خطيرة من المواجهة وفتح الباب أمام تسوية إقليمية أوسع. لكن العالم لا يعرف بعد النص الكامل للاتفاق ولا بنوده الدقيقة، ولا ما تم الاتفاق عليه بشأن حزب الله ومستقبل البنية الأمنية في لبنان. فإذا كان الحزب جزءاً من المنظومة الاستراتيجية الإيرانية، فإن أي تفاهم بين واشنطن وطهران ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان. والسؤال ليس ما إذا كان لبنان سيتأثر، بل كيف سيتأثر؟ هل كان لبنان جزءاً من التفاهمات؟ هل تم التطرق إلى مستقبل سلاح حزب الله؟ أم تُرك لبنان مرة أخرى لمواجهة تداعيات قرارات اتُخذت في أماكن أخرى؟ أي دولة ذات سيادة لا يجوز أن يكون مستقبلها رهينة مفاوضات تُعقد في عواصم أخرى، ومع ذلك فهذا هو الخطر الذي يواجه لبنان اليوم.

 

لحظة الحقيقة للدولة اللبنانية

أعلنت الدولة اللبنانية التزامها باستعادة سلطتها الكاملة وتنفيذ القرارات الدولية وتعزيز الجيش اللبناني وجعل المسؤولية الأمنية حصراً بيد المؤسسات الشرعية. لكن يبقى السؤال: ماذا لو رفض حزب الله الترتيبات التي توافق عليها الدولة؟ هل تمتلك الحكومة الشجاعة السياسية للمضي في التنفيذ؟ وهل سيتوافر الدعم الدولي والقدرات اللازمة لضمان نجاح لبنان؟ هذه لم تعد أسئلة نظرية، بل يتوقف عليها مستقبل لبنان.

 

خطر تكرار الخطأ نفسه

تحت شعارات الحفاظ على الاستقرار أو تجنب المواجهة، قبل كثير من السياسيين بتسويات أدت تدريجياً إلى تطبيع وجود قوة عسكرية خارج سلطة الدولة. وما بدأ كتسويات مؤقتة تحول إلى هيمنة، وما قُدم كتعايش أصبح سيطرة. إن محاولة تلميع صورة حزب الله أمام العالم سمحت له عملياً بالسيطرة على الدولة ومفاصلها. اليوم، تقع على عاتق الإدارة اللبنانية مسؤولية تاريخية: ألا تكرر أخطاء الماضي، وألا تؤجل القرارات الصعبة أملاً بأن يحل الزمن المشكلة. فالهدف ليس تحسين صورة الحزب، بل استعادة سلطة الدولة اللبنانية.

 

السيادة تحتاج إلى شراكة

استعادة السيادة مسؤولية لبنانية أولاً، لكنها ليست لبنانية حصراً. فمن يطالب لبنان باستعادة سيادته عليه أن يساعده على تحقيق ذلك، لأن المجتمع الدولي لا يمكنه أن يطالب بالتنفيذ ويمتنع عن توفير الوسائل اللازمة له.

 

لبنان أمام امتحان التاريخ

للمرة الأولى منذ سنوات، قد تتاح للبنان فرصة حقيقية لاستعادة المبدأ الذي تقوم عليه الدول ذات السيادة: دولة واحدة، جيش واحد، سلطة واحدة، وقرار واحد في الحرب والسلم. هذا ليس موقفاً ضد طائفة أو حزب، بل لصالح الدولة اللبنانية. فإذا كان حزب الله ما زال مرتبطاً بالقرار الاستراتيجي الإيراني، فلا يمكن اعتباره قضية داخلية فقط، ولا يمكن مطالبة لبنان بحلها بمفرده. على الدولة اللبنانية أن تقوم بواجبها، وعلى المجتمع الدولي أن يقوم بواجبه. فالسيادة لا تُستعاد بالبيانات والخطابات، بل بالشجاعة السياسية والرؤية الاستراتيجية والالتزام الدولي المستدام. الأشهر المقبلة قد تحدد ما إذا كان لبنان سيصبح أخيراً دولة يقرر مستقبلها أبناؤها في بيروت، أم سيبقى ساحة تتقرر مصائرها في عواصم أخرى. اللحظة تقترب، والتاريخ سيحكم على الجميع.

 

* رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment