سهله المدني
قلوب لم تغرق في الألم، والغيرة هي شعور تشعر به إما بسبب الحب أو بسبب الطمع، نعم هي كذلك. كيف تفرق إن كانت بسبب الحب أو بسبب الطمع.
من يحبك بصدق قد يكون سلوكه بسبب الغيرة غير متوازن، أو غير طبيعي، أو غير مدروس، وهذا ما سيحدث. مثال ذلك أن يتخلى عنك بسبب الغيرة دون أن يتفوه بكلمة، وقد يتركك وفي صوته ألم كبير، ويعبر عما يشعر به بالصراخ أو بالكلمات الجارحة. فالفعل الذي يفعله لا ينبع من طمع، لأنه قد يخسرك بسببه.
أما إذا كانت الغيرة بسبب الطمع، فهو يجعلك تفعل ما تريده سواء كان خطأ أم صوابًا، فالذي يهمه ألّا يخسر مصالحه المالية معك. فهو لا تتحرك غيرته إلا عندما تكون هناك علاقة بمصالحه المالية أو بما يطمح إلى تحقيقه من خلالك. أما ما تفعله إذا لم يشكل خطرًا على مصالحه، فلن يهتم به.
والذي يصاحب الغيرة هو شعور لا يتعلق بحب التملك، ولا بالرغبة في تغيير طباع من نحبهم، ولكنه شعور يحدث فجأة دون تخطيط. فالغيرة تنبع من الخوف على مصالح من نحب، فلا نريده أن يخسر، ولا نريده أن يضيع عمره ووقته مع من لا يستحقه.
فعندما تحب، يشعر قلبك وعقلك بقوة بمن تحب، وتشعر بألمه وضعفه دون أن يبوح لك بشيء، وكأنك تعيش معه وتدرك ما يشعر به.
الغيرة، عندما تحدث، هي من أجمل المشاعر التي يمكن أن تشعر بها، ولكن جمال هذا الشعور لا يشعر به من تحبه، ولا حتى أنت، بل يشعر به من يرى قصتكم. فهو يستمتع بمشاهدة تلك اللحظات التي قد تكون بالنسبة إليكما موتًا لحبكما، بينما يراها هو قصة حب أسطورية لا يمكن أن تتكرر.
لأنه ليس من السهل أن تشعر بالغيرة، فهذا الشعور لا يشعر به إلا من وقع في الحب. وعندما نكتب عنها، فهي ليست شيئًا يقرر الإنسان الوقوع فيه، بل تأتي صدفة، كما يأتي الحب صدفة.
وعندما تحدث لك، لا تشعر بلذتها، لأن الغضب يكون مسيطرًا عليك، وهي غالبًا ما يصاحبها شعور بالغضب. ولكن عندما تكون في لحظة هدوء، تتذكر كل شيء وكأنه فيلم رومانسي تشاهده، وتنسى أنك البطل في هذه القصة.
الغيرة، عندما تفهمها بعمق، تراها سرًا من أسرار الحب وجاذبيته، نعم هي كذلك. وما يجعلها تبدو عكس ذلك هو غياب الحوار الذي يحولها إلى وسيلة لتقوية الحب. فهي ملح الحب.
وعندما تشاهد فيلمًا رومانسيًا، لا تنجذب غالبًا إلى اللقطات الرومانسية فقط، بل تنجذب أيضًا إلى اللقطات التي تحتوي على الغيرة، لأنها تجعلك تضحك وتراها دليلًا على الحب. ولكنك في الفيلم تجد أبطاله يشعرون بأن تلك اللحظات قد تكون نهاية لقصتهم.
ويحدث ذلك لأننا نفسر الغيرة على أنها شك وتملك وسيطرة، لا على أنها حب، ولذلك نراها بهذه الصورة البعيدة عنها كليًا.
فالغيرة سلوك ينبع من الحب، وهي شعور غريب يصعب تفسيره، وعندما لا تقع في الحب قد لا تشعر بها بهذا العمق، ولذلك نجد أن من يعيشها بعمق كبير هو الذي يحب بصدق.
لذلك، عندما تفهم سببها، فإنها لا تؤثر عليك بالطريقة نفسها، وتدرك حقيقتها. والغيرة ليست موجودة في الحب فقط، بل في العمل أيضًا، فالذي يشعر بها في عمله يكون غالبًا عاشقًا لما يفعل، ويغار لأنه يريد أن يبدع ويتميز في عمله.
لذلك فهي موجودة في العمل كما هي موجودة في الحب، وهي تحدث بسبب الارتباط العاطفي بما نحبه. ولهذا يجب أن نتعامل معها على أنها دليل حب واهتمام، لا مجرد شك أو رغبة في السيطرة، حتى نرى جمالها الذي يصعب وصفه.











06/11/2026 - 18:56 PM





Comments