المسيحيون في لبنان والشرق: ليسوا بقايا تاريخ... بل شركاء في صناعة المستقبل

06/09/2026 - 17:49 PM

San diego

 

 

الخوري الدكتور نبيل مونس *

في شرقٍ تتنازعه الحروب، وتنهكه الانقسامات، وتعبث بمصيره مصالح القوى الكبرى، يكثر الحديث عن مصير الأقليات، وعن مستقبل التنوّع، وعن قدرة الشعوب على البقاء في أرضها. لكن الحديث عن المسيحيين في لبنان والشرق لا يمكن اختزاله بلغة الأرقام أو الديموغرافيا، لأن وجودهم ليس تفصيلاً عابرًا في تاريخ المنطقة، بل جزءٌ أصيل من هويتها وذاكرتها ووجهها الحضاري.

المسيحيون في هذا الشرق ليسوا ضيوفًا على أرضه، ولا جماعة تبحث عن مكان لها بين الآخرين. هم أبناء هذه الأرض منذ ألفي عام، ساهموا في صنع تاريخها، وشاركوا في بناء دولها، ودفعوا أثمان الحروب والاضطهادات كما دفعها سائر أبنائها.

لبنان... المعركة الأخيرة للدولة والتعددية

يبقى لبنان، رغم كل ما أصابه من انهيار وأزمات، النموذج الأوضح لفكرة الشراكة الوطنية في الشرق الأوسط. هنا لم يكن المسيحيون يومًا جماعة هامشية، بل كانوا شركاء مؤسسين في قيام الدولة، وفي صياغة الدستور، وفي بناء المؤسسات والإدارة والتعليم والثقافة.

ومن يراجع تاريخ لبنان الحديث يدرك أن المسيحيين كانوا في طليعة مؤسسي الجامعات والمدارس والمستشفيات والصحف ودور النشر، وأسهموا في صنع نهضة فكرية وثقافية تجاوز تأثيرها حدود الوطن الصغير إلى العالم العربي كله.

واليوم، ورغم موجات الهجرة القاسية، والانهيار الاقتصادي غير المسبوق، والضغوط السياسية والأمنية، لا يزال المسيحيون يشكلون قوة دفع باتجاه الدولة والمؤسسات والشرعية. فهم يدركون أن سقوط الدولة يعني سقوط الجميع، وأن الحفاظ على لبنان الحرّ والمتعدد ليس مصلحة فئة واحدة، بل مصلحة وطن بأكمله.

المسيحيون في الشرق... جذور لا تقتلعها العواصف

من القدس وبيت لحم والناصرة، إلى أنطاكية ودمشق والموصل والقاهرة وعمّان وبيروت، ترك المسيحيون بصماتهم في كل زاوية من تاريخ المنطقة.

كانوا روادًا في التعليم والطب والصحافة والثقافة، وشركاء في النهضة العربية الحديثة، ومدافعين عن الحرية والكرامة الإنسانية. لم يبنوا الكنائس فقط، بل بنوا المدارس والمستشفيات والجامعات، وأسهموا في صناعة الوعي الوطني والقومي في أكثر من دولة عربية.

ورغم الحروب والتهجير والاضطهاد الذي تعرّضت له جماعات مسيحية عديدة خلال العقود الأخيرة، بقي حضورهم صامدًا. قد تتراجع الأعداد، لكن الرسالة لم تتراجع، وقد تضعف الإمكانات، لكن الإرادة لم تنكسر.

الشرق يخسر نفسه إذا خسر تنوعه

التحديات التي تواجه المسيحيين اليوم ليست خفية على أحد:

  • هجرة متزايدة تستنزف الطاقات الشابة.

  • أزمات اقتصادية خانقة.

  • صعود تيارات متطرفة في بعض البيئات.

  • انهيار مؤسسات الدولة في عدد من البلدان.

  • تحوّل المنطقة إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح.

لكن الحقيقة الأعمق أن خسارة المسيحيين لا تعني خسارة جماعة دينية فقط، بل خسارة جزء أساسي من التوازن التاريخي والثقافي والإنساني الذي ميّز الشرق عبر القرون.

فالتعددية ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا للاستقرار. وكل مشروع يسعى إلى إلغاء الآخر أو تهميشه إنما يدفع المنطقة نحو مزيد من الانقسام والعنف.

أجراس الكنائس ليست مجرد طقوس

حين تشتعل الجبهات ويعلو صوت السلاح، تبقى أجراس الكنائس صوتًا مختلفًا.

هي ليست مجرد دعوة إلى الصلاة، بل إعلان تمسك بالحياة في وجه ثقافة الموت. إنها رسالة تقول إن الشرق لم يُخلق للحروب، وإن الإنسان أهم من المصالح السياسية والعسكرية، وإن السلام ليس شعارًا شاعريًا بل حاجة وجودية لكل شعوب المنطقة.

لقد قرعت الأجراس في بيروت خلال الحرب الأهلية، وفي الموصل وسط سنوات الظلام، وفي القدس رغم القيود، وفي القرى والبلدات التي عاشت الخوف والتهجير. وكانت في كل مرة تعلن حقيقة واحدة: أن الإيمان بالإنسان أقوى من الرصاص.

قوة المسيحيين ليست في السلاح بل في الجسور

في زمن الانقسامات الحادة والاستقطابات القاتلة، يبرز الدور المسيحي كعنصر توازن لا كطرف صراع.

قوة المسيحيين لم تكن يومًا في عددهم أو في سلاحهم، بل في قدرتهم على بناء الجسور بين المكوّنات المختلفة، وفي دفاعهم عن الدولة والمؤسسات، وفي إيمانهم بالحوار طريقًا لمعالجة النزاعات.

وفي لبنان تحديدًا، يبقى حضورهم عنصرًا أساسيًا في حماية فكرة الدولة ومنع سقوطها الكامل، كما يبقى وجودهم في الشرق ضمانة إضافية لاستمرار التنوّع والانفتاح والاعتدال.

بين الحرب والسلام... خيار لا يتغير

أمام الحروب المشتعلة في المنطقة، من غزة إلى جنوب لبنان، ومن العراق إلى اليمن، يتمسك المسيحيون بموقف أخلاقي واضح: حماية الإنسان أولًا.

الدفاع عن المدنيين، حماية الضعفاء، رفض تحويل الشعوب إلى وقود للصراعات، والدعوة المستمرة إلى وقف الحروب، ليست مواقف سياسية ظرفية، بل جزء من رسالة متجذرة في تاريخ الكنيسة وفي وجدان أبناء هذه الأرض.

الشرق يحتاج إلى المسيحيين... كما يحتاج المسيحيون إلى الشرق

لا يمكن الحديث عن الشرق من دون المسيحيين، كما لا يمكن الحديث عن المسيحية من دون الشرق.

هنا انطلقت الرسالة الأولى، وهنا سار الرسل، وهنا كُتبت صفحات أساسية من تاريخ الإنسانية الروحي. لذلك فإن بقاء المسيحيين في أرضهم ليس مطلبًا طائفيًا، بل قضية حضارية تتعلق بمستقبل المنطقة كلها.

أجراس الكنائس ستبقى تقرع

مهما اشتدت العواصف، ومهما تعاظمت الحروب، ومهما حاول البعض تغيير وجه المنطقة، ستبقى أجراس الكنائس تقرع.

ستقرع من أجل الإنسان قبل أي شيء آخر.

ستقرع من أجل السلام في زمن الجنون.

ستقرع من أجل لبنان الذي يرفض الاستسلام.

وستقرع لتذكّر العالم بأن الشرق ليس أرضًا للموت، بل أرضًا للقيامة المتجددة.

أما المسيحيون، فسيبقون حيث كانوا دائمًا: شهودًا للرجاء، شركاء في بناء الأوطان، وحراسًا لقيم الحرية والكرامة والمحبة، مهما كانت التحديات، ومهما كانت الأكلاف.

 

* الخوري الدكتور نبيل مونس هو واحد من أبرز الكهنة والمفكّرين اللبنانيين في الاغتراب، ويُعدّ من الوجوه الروحية والفكرية المؤثرة في الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة. يشغل حاليًا منصب راعي كنيسة سيدة لبنان المارونية في ولاية أوكلاهوما الأميركية، حيث يقود خدمة رعوية نشطة تجمع بين البعد الروحي والإنساني والاجتماعي.

يمتلك الأب مونس حضورًا لافتًا في الإعلام الاغترابي، حيث ينشر دائماً مقالات وتحليلات روحية وفكرية تتناول قضايا الإيمان، الهوية، التاريخ الكنسي، والإنسان المعاصر. وتتميّز كتاباته بعمق لاهوتي ولغة شاعرية تحمل رسائل سلام ورجاء.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment