علي جزائري *
في لبنان، لا تكمن المأساة في غياب الرجال ولا في ندرة الأفكار، بل في عجز أصحاب المواقع الدستورية عن تحويل قراراتهم إلى واقع. لذلك تبدو العبارة العربية القديمة «لا رأي لمن لا يُطاع» وكأنها كُتبت خصيصاً لوصف الدولة اللبنانية.
رئيس الجمهورية يتحدث، ورئيس الحكومة يقرر، والوزراء يجتمعون، لكن المواطن يسأل في النهاية: من يحكم فعلياً؟ ومن يملك القدرة على تنفيذ ما يُعلن من مواقف وخطط ووعود؟
في الدول الطبيعية، تكون المؤسسات هي مصدر القرار، أما في لبنان فغالباً ما يتحول القرار إلى نتيجة لتوازنات الطوائف والأحزاب ومراكز النفوذ الداخلية والخارجية. يصبح الدستور موجوداً، لكن تطبيقه خاضعاً للتفاوض. وتبقى الدولة قائمة شكلاً، فيما تتوزع السلطة الفعلية بين جهات متعددة، لكل منها حساباتها وخطوطها الحمراء.
ليس المقصود هنا التقليل من شأن رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة، بل على العكس تماماً. فإضعاف الموقعين هو إضعاف للدولة نفسها. عندما يعجز رئيس الجمهورية عن ممارسة دوره كاملاً، وعندما يجد رئيس الحكومة نفسه محاصراً بشبكة من الاعتراضات والفيتوهات، يصبح السؤال مشروعاً: هل المشكلة في الأشخاص أم في النظام الذي جعل من السلطة مسؤولية بلا قدرة؟
لقد اعتاد اللبنانيون على مشهد غريب: مسؤولون يتحملون المحاسبة أمام الناس، بينما لا يملكون دائماً الأدوات الكافية للحكم. وعندما تقع الأزمات، يُطلب من الدولة أن تتصرف كدولة كاملة الصلاحيات، فيما تُنتزع منها هذه الصلاحيات عند أول استحقاق سياسي أو أمني أو اقتصادي.
الحقيقة المؤلمة أن لبنان لا يحتاج فقط إلى انتخاب رئيس أو تشكيل حكومة أو ملء الشواغر الدستورية. ما يحتاجه أولاً هو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة نفسها، بحيث يصبح القرار الصادر عن المؤسسات هو القرار النافذ، لا مجرد وجهة نظر قابلة للأخذ والرد.
فالدولة التي لا يُطاع قرارها تفقد هيبتها. والمؤسسات التي لا تُنفذ قراراتها تتحول إلى واجهات. أما المواطن، فيبقى الخاسر الأكبر بين سلطات تتقاسم النفوذ ودولة تبحث منذ عقود عن حقها الطبيعي في أن تحكم.
وفي الخلاصة، ليست المشكلة أن في لبنان آراءً متعارضة، فذلك أمر طبيعي في أي نظام ديمقراطي. المشكلة أن الدولة نفسها كثيراً ما تبدو وكأنها صاحبة رأي بين آراء كثيرة، لا صاحبة القرار الأخير. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: عندما تصبح الدولة طرفاً بين الأطراف، لا حكماً فوق الجميع، يتحول الوطن كله إلى رهينة ميزان القوى، وتصبح عبارة «لا رأي لمن لا يُطاع» وصفاً دقيقاً لواقع بلدٍ ما زال يبحث عن دولته.
* كاتب ومحلل سياسي من لبنان












06/05/2026 - 06:22 AM





Comments