لبنان عند مفترق تاريخي: من وقف إطلاق النار إلى اطار سياسي جديد

06/05/2026 - 06:04 AM

https://metrolinktrains.com

 

بقلم طوني نيسي *

قد يشكل البيان المشترك الصادر عن الاجتماع الثلاثي الذي عقد بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل في 2 و3 حزيران 2026 أحد أهم الوثائق السياسية التي عرفها لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية، وربما التطور الدبلوماسي الأبرز منذ سقوط اتفاق 17 أيار عام 1984.

للوهلة الأولى، يبدو البيان وكأنه مجرد اتفاق جديد لوقف إطلاق النار يهدف إلى إنهاء الأعمال العسكرية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. إلا أن القراءة المتأنية تكشف أنه يتجاوز بكثير إطار التهدئة العسكرية، ليشكل خريطة طريق سياسية تهدف إلى إعادة صياغة المنظومة الأمنية في لبنان، وإعادة تعريف دور الدولة اللبنانية، وربما فتح الباب أمام اتفاق أوسع بين لبنان وإسرائيل.

فالبيان لا يتحدث فقط عن وقف العمليات العسكرية، بل يكرر الحديث عن «اتفاق شامل» بين البلدين. وهذه العبارة ليست تفصيلاً لغوياً عابراً، بل تحمل دلالات سياسية عميقة، إذ تشير إلى أن الأطراف المعنية لا تنظر إلى المستقبل من زاوية إدارة النزاع فحسب، بل من زاوية البحث عن تسوية سياسية مستدامة.

ولعل أهم عبارة وردت في البيان هي:

«إن مستقبل العلاقة بين إسرائيل ولبنان يجب أن تقرره الحكومتان السياديتان».

إنها عبارة ذات أبعاد سياسية عميقة، لأنها تؤكد أن قرارات الحرب والسلم والحدود والأمن يجب أن تبقى حصراً بيد المؤسسات الشرعية للدولتين، لا بيد أي جهة خارج إطار الدولة أو أي تنظيم مسلح غير خاضع لسلطتها.

استبعاد حزب الله من إطار التفاوض

لعل الجانب الأكثر أهمية في هذا الاتفاق ليس ما ورد فيه صراحة، بل ما يمكن استخلاصه من مضمونه.

فالأطراف الموقعة على هذا المسار هي الولايات المتحدة والجمهورية اللبنانية ودولة إسرائيل.

أما حزب الله فهو غائب بالكامل عن إطار التفاوض.

وللمرة الأولى في إطار دولي كبير توافق عليه الحكومة اللبنانية نفسها، يتم التعامل مع حزب الله بصورة فعلية كتنظيم مسلح خارج إطار الدولة، يجري البحث في مستقبله من قبل حكومات ذات سيادة، وليس كطرف مشارك في المفاوضات.

فالبيان يتحدث بشكل واضح عن:

  • إخلاء عناصر حزب الله من جنوب الليطاني.
  • تفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.
  • منع إعادة تشكل هذه الجماعات مستقبلاً.

إن مجمل هذه البنود يعكس واقعاً سياسياً جديداً يتمثل في قبول الدولة اللبنانية بإطار يعتبر أن أي قوة عسكرية خارج المؤسسات الشرعية للدولة يجب أن تكون جزءاً من الترتيبات الأمنية المقبلة.

وسواء اتفق المرء أو اختلف مع هذا التوجه، فإن أهميته السياسية تبقى استثنائية.

فهو يشكل تحولاً مهماً في المقاربة الرسمية اللبنانية لقضية السلاح خارج الدولة، ويعكس توجهاً دولياً متزايداً نحو اعتبار أن الأمن والاستقرار في لبنان لا يمكن أن يقوما إلا على سلطة الدولة وحدها.

عودة الدولة اللبنانية

منذ عقود طويلة، يردد اللبنانيون أن الاستقرار والازدهار والسيادة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق طالما بقيت السلطة العسكرية موزعة بين مؤسسات الدولة وبين تنظيمات مسلحة مستقلة عنها.

ويعالج البيان هذه الإشكالية مباشرة من خلال إنشاء «مناطق نموذجية» تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأرض مع استبعاد جميع الجهات المسلحة غير التابعة للدولة.

وهذا البند هو ربما الأكثر أهمية على المستوى العملي.

فالهدف واضح: إثبات قدرة الدولة اللبنانية على إدارة الأرض وتأمينها وحمايتها بواسطة مؤسساتها الشرعية فقط.

وإذا نجحت هذه التجربة، فإن هذه المناطق قد تتحول تدريجياً إلى نموذج يطبق على كامل الأراضي اللبنانية.

وفي هذا الإطار، يبرز الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الوطنية الرئيسية المستفيدة من الاتفاق، خصوصاً مع تأكيد الولايات المتحدة التزامها دعم قدراته وتمكينه من بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

وبالنسبة للمؤمنين بمبدأ سيادة الدولة، فإن هذا المسار يشكل المحاولة الأكثر جدية منذ عقود لتطبيق روح القرارات الدولية 1559 و1680 و1701.

هل يستطيع لبنان تنفيذ ما التزم به؟

هذا هو السؤال الأساسي.

فتوقيع الاتفاق شيء، وتنفيذه شيء آخر.

لقد التزمت الدولة اللبنانية رسمياً بتعزيز قدرات الجيش اللبناني وبسط سلطتها الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية.

لكن هل تمتلك الدولة الوحدة السياسية والقوة المؤسسية والإجماع الوطني اللازم لتحقيق هذه الأهداف؟

إن تنفيذ مثل هذا الاتفاق يتطلب:

  • قراراً سياسياً موحداً.
  • مؤسسات دولة قوية.
  • دعماً دولياً مستداماً.
  • قدرات عسكرية كافية.
  • وغطاءً شعبياً واسعاً.

الأشهر المقبلة ستكشف ما إذا كان لبنان قادراً على تحويل الالتزامات الدبلوماسية إلى حقائق على الأرض.

فالتاريخ اللبناني يعلمنا أن العديد من الاتفاقات فشلت ليس بسبب غياب الدعم الدولي، بل بسبب العجز عن تنفيذها داخلياً.

ماذا لو رفض حزب الله؟

هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية.

ماذا سيحدث إذا رفض حزب الله تنفيذ هذه الترتيبات؟

فالبيان يربط وقف إطلاق النار بشكل مباشر بوقف نشاط حزب الله العسكري وانسحاب عناصره من جنوب الليطاني، كما يتحدث بوضوح عن إطار أمني مستقبلي يقوم على تفكيك الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة.

إذا وافق حزب الله على هذه الترتيبات، فقد يكون لبنان أمام بداية مرحلة تاريخية جديدة تستعيد فيها الدولة احتكارها الشرعي للقوة وتبدأ بتنفيذ القرارات الدولية التي التزمت بها منذ سنوات.

أما إذا رفض، فإن البلاد ستدخل مرحلة جديدة من التعقيد.

فالاحتمال الأول هو استمرار المراوحة السياسية وتعطيل التنفيذ.

والاحتمال الثاني هو استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية والدولية لدفع الأمور نحو التطبيق.

أما الاحتمال الثالث فهو نشوء مواجهة سياسية وربما أمنية بين متطلبات الدولة اللبنانية وقرارات تنظيم مسلح يعمل خارج مؤسساتها.

لكن هناك حقيقة أخرى يجب الاعتراف بها بوضوح.

فحزب الله لم يعد مجرد قضية لبنانية داخلية.

فسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، فإن بنيته العسكرية وعقيدته الاستراتيجية وشبكاته المالية ودوره الإقليمي باتت مرتبطة منذ سنوات طويلة بالمشروع الإقليمي الإيراني.

والبيان نفسه يعكس هذه الحقيقة عندما يربط الملف اللبناني الإسرائيلي بالسياق الإقليمي الأوسع، ويخصص فقرة كاملة لإدانة الأنشطة الإيرانية التي يعتبرها مهددة للاستقرار الإقليمي.

من هنا، لا يمكن اعتبار تنفيذ هذا الاتفاق شأناً لبنانياً صرفاً.

فلبنان قد يكون قادراً على إطلاق عملية التنفيذ، لكنه قد لا يكون قادراً وحده على استكمالها.

فإذا كان الهدف الحقيقي هو استعادة السيادة الكاملة للدولة اللبنانية وتفكيك البنى العسكرية الخارجة عن سلطتها، فإن هذه المهمة تتحول تلقائياً إلى مسؤولية إقليمية ودولية أيضاً.

لا يمكن للمجتمع الدولي أن يطالب لبنان بتنفيذ التزامات أمنية وسياسية بهذا الحجم ثم يتركه وحيداً في مواجهة نتائجها.

وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:

هل تمتلك الحكومة اللبنانية الشجاعة السياسية اللازمة لطلب دعم المجتمع الدولي إذا واجهت عراقيل أو رفضاً لعملية التنفيذ؟

لقد تجنبت الحكومات اللبنانية المتعاقبة لعقود طويلة مواجهة مسألة احتكار الدولة للسلاح بصورة حاسمة.

فإذا كانت الحكومة الحالية مقتنعة فعلاً بالالتزامات التي وقعت عليها، فهل ستكون مستعدة لطلب دعم سياسي وعسكري ودبلوماسي مباشر من المجتمع الدولي لضمان تنفيذ الاتفاق واستعادة سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية؟

ويطرح ذلك سؤالاً موازياً:

هل تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها الإرادة السياسية الكافية للانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الدعم الفعلي؟

إن دعم الجيش اللبناني شيء، وتمكينه من فرض سيطرة حصرية على كامل الأراضي اللبنانية شيء آخر.

فهل ستكون واشنطن مستعدة لتوفير المعدات العسكرية والقدرات الاستخباراتية والدعم المالي واللوجستي المطلوب؟

وهل ستكون الولايات المتحدة وحلفاؤها مستعدين، إذا واجه التنفيذ مقاومة جدية، للنظر في دور دولي أكثر فاعلية على الأرض، سواء عبر تعزيز آليات المراقبة الدولية أو إنشاء أطر دعم متعددة الجنسيات أو أي وسائل أخرى تضمن نجاح عملية استعادة السيادة؟

هذه الأسئلة لم تعد نظرية.

إنها تمس جوهر مصداقية الاتفاق نفسه.

فنجاح هذا المسار لن يتحدد فقط بما وقع عليه لبنان وإسرائيل، بل أيضاً بمدى استعداد الدولة اللبنانية لتنفيذ التزاماتها، وبمدى استعداد المجتمع الدولي لمساندتها عندما يحين وقت التنفيذ.

خيار تاريخي

يشبه كثيرون هذه المبادرة باتفاق 17 أيار 1983.

والمقارنة مفهومة.

ففي الحالتين لعبت الولايات المتحدة دور الوسيط الرئيسي.

وفي الحالتين كان الهدف إقامة ترتيبات أمنية بين لبنان وإسرائيل وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية.

لكن الفارق الجوهري أن البيئة الإقليمية اليوم مختلفة بالكامل.

لقد تغير ميزان القوى.

وتغير الدور السوري.

وتغير الدور الإيراني.

والأهم أن اللبنانيين أنفسهم تغيروا.

فبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي وتراجع مؤسسات الدولة والحروب المتكررة، بات عدد متزايد من اللبنانيين يعتبر أن استعادة السيادة ليست مجرد شعار سياسي، بل ضرورة وطنية وجودية.

لذلك فإن بيان حزيران 2026 ليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار.

إنه اختبار.

اختبار لقدرة لبنان على أن يصبح دولة تكون فيها قرارات الحرب والسلم حكراً على المؤسسات الشرعية.

واختبار لقدرة الجيش اللبناني على أن يصبح المرجعية العسكرية الوحيدة في البلاد.

واختبار لقدرة لبنان على تنفيذ القرارات الدولية التي التزم بها.

وفي نهاية المطاف، هو اختبار لقدرة الجمهورية اللبنانية على استعادة سيادتها الكاملة، ليس فقط في النصوص القانونية، بل في الواقع العملي أيضاً.

إن الأشهر المقبلة قد لا تحدد فقط مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، بل قد تحدد أيضاً مستقبل الدولة اللبنانية نفسها. وللمرة الأولى منذ عقود، يقف لبنان أمام فرصة تاريخية ومسؤولية تاريخية في آن واحد.

فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية عهد جديد من السيادة والاستقرار، وإما أن تضاف إلى سلسلة الفرص الضائعة التي عرفها تاريخ لبنان الحديث.

 

رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بلبنان

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment