اتفاق الجنوب الجديد… مقاربة مختلفة عن القرار 1701 وآليات تنفيذ أكثر صرامة

06/05/2026 - 06:02 AM

San diego

 

 

بيروت - تحقيق حورج ديب

شهد الملف الجنوبي حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا لإنتاج اتفاق جديد يهدف إلى تثبيت وقف النار وإعادة تنظيم الوضع الأمني على طول الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. ويأتي هذا المسار في ظل مقارنة حتمية مع القرار 1701 الصادر عام 2006، والذي شكّل الإطار الدولي الأبرز بعد حرب تموز، لكنه لم يُنفّذ بالكامل، ما أدى إلى تراكم عوامل التوتر وصولًا إلى المواجهة الأخيرة.

الفارق الجوهري اليوم أن الاتفاق الجديد لا يُبنى على نصوص عامة، بل على وقائع ميدانية وسياسية مختلفة جذريًا، وعلى رغبة دولية واضحة في منع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.

القرار 1701 نصّ على وقف الأعمال الحربية، وانسحاب كل القوى المسلحة إلى شمال الليطاني، وانتشار الجيش اللبناني واليونيفيل، ومنع تهريب السلاح، وتعزيز سلطة الدولة. غير أن التنفيذ بقي منقوصًا: إسرائيل واصلت خروقاتها الجوية واحتفاظها بمواقع شمال الخط الأزرق، فيما عزّز حزب الله حضوره العسكري جنوب الليطاني، وتوسّعت بنيته الصاروخية واللوجستية بشكل غير مسبوق. أما اليونيفيل فواجهت قيودًا ميدانية حدّت من قدرتها على فرض منطقة خالية من السلاح كما نصّ القرار.

الاتفاق الجديد يختلف أولًا في السياق. فالمواجهة الأخيرة أظهرت أن قدرات حزب الله باتت أكبر بكثير مما كانت عليه عام 2006، وأن إسرائيل تعتبر الجبهة الشمالية تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن تركه بلا ترتيبات جديدة. لذلك، يتجه الاتفاق نحو صياغة قواعد اشتباك محدثة، وإعادة تعريف المنطقة العازلة، وربما توسيعها أو تعديلها بما يتناسب مع الوقائع العسكرية. كما أن الاتفاق الجديد لا يُقارب الجنوب بمعزل عن الملفات الإقليمية، بل يأتي ضمن تفاهمات أوسع تشمل الحدود، الغاز، وضمانات دولية مباشرة.

ثانيًا، يتضمن الاتفاق آليات تنفيذ أكثر صرامة. فالمعطيات تشير إلى دور أكبر للجيش اللبناني في الانتشار جنوب الليطاني، مدعومًا بقدرات لوجستية وتقنية توفرها دول غربية، إضافة إلى تعزيز صلاحيات اليونيفيل ومنحها حرية حركة أوسع واستخدام وسائل مراقبة متقدمة. كما يجري العمل على إنشاء آلية محاسبة لأي خرق، وهو عنصر لم يكن حاضرًا بوضوح في القرار 1701. ويُتوقع أن يرتبط التنفيذ بحزم دعم اقتصادي وعسكري للبنان، بما يسمح للدولة بفرض سلطتها على كامل المنطقة الحدودية.

ثالثًا، يفرض الاتفاق الجديد التزامات متوازية على الطرفين: على لبنان تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها جنوب الليطاني، وعلى إسرائيل الانسحاب من النقاط المتبقية شمال الخط الأزرق ووقف الخروقات الجوية. ويأتي ذلك ضمن إطار دولي يضم الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة، مع ضمانات سياسية وأمنية تهدف إلى تحويل الهدنة إلى استقرار طويل الأمد، وليس مجرد وقف نار هش قابل للانهيار.

في المحصلة، الاتفاق الجديد ليس نسخة معدّلة من القرار 1701، بل مقاربة مختلفة تُبنى على واقع جديد، وعلى إدراك دولي بأن الجنوب لم يعد يحتمل إدارة الأزمة بالأساليب القديمة. نجاحه يبقى رهن قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها، ومدى التزام إسرائيل بوقف الخروقات، والأهم بوجود إرادة دولية حقيقية لضمان التنفيذ. ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا، إلا أن ما يجري اليوم قد يشكّل الفرصة الأكثر جدية منذ 2006 لإعادة رسم معادلة الاستقرار في الجنوب.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment