رشيد ج. مينا
المقاومة في معناها العام هي الممانعة ورفض الخضوع لقوى خارجية، وهي في السياق السياسي والعسكري رد فعل على الاحتلال أو العدوان أو الاستعمار، وتتخذ أشكالًا متعددة تبدأ بالكفاح المسلح ولا تنتهي بالمقاومة الشعبية والمدنية. ومن هذا المنطلق، فإن مقاومة الاحتلال حق مشروع للشعوب، بل قد تتحول في ظروف معينة إلى واجب وطني وأخلاقي.
غير أن الإشكالية لا تكمن عادة في مبدأ المقاومة نفسه، بل في كيفية توظيفه واستثماره، وفي العلاقة بين المقاومة والدولة والقرار الوطني، وفي الجهة التي تحدد أهدافها ومسارها والنتائج التي تفضي إليها.
وفي الحالة اللبنانية، لم تنطلق المقاومة بداية من مفهوم وطني لبناني سيادي صرف، بقدر ما ارتبطت بالصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية بوصفها قضية عربية جامعة. فلبنان، منذ توقيع اتفاقية الهدنة عام 1949، كان من الناحية القانونية في حالة هدنة مع إسرائيل، فيما كانت غالبية القوى السياسية والشعبية تنظر إلى الصراع معها من منظور قومي عربي أوسع من حدود الدولة اللبنانية.
ومع صعود العمل الفدائي الفلسطيني وبروز نهج الكفاح المسلح بعد نكسة عام 1967، تعاظم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان واتسعت أدواره. وكان من الممكن أن يستمر الدعم اللبناني والعربي للحقوق الفلسطينية المشروعة، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ضمن إطار يحافظ على سيادة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح بيد مؤسساتها الشرعية. إلا أن اتفاقية القاهرة عام 1969 شرّعت الوجود الفلسطيني المسلح ونظمت عمله على الأراضي اللبنانية، ما فتح الباب أمام واقع جديد أخذ يتوسع تدريجيًا خارج قدرة الدولة اللبنانية على الضبط والتحكم.
ومع أحداث الأردن عام 1970 وما تلاها من انتقال الثقل العسكري الفلسطيني إلى لبنان، تضخم حجم هذا الوجود ونفوذه بصورة أكبر، وبدأت تظهر بوضوح معضلة الدولة داخل الدولة. ولم يكن ذلك منفصلًا عن الأزمة اللبنانية الأصلية المتمثلة في عدم نجاح لبنان، منذ إعلان دولة لبنان الكبير، في استكمال مشروع بناء دولة وطنية قوية وقادرة تحتكر وحدها أدوات القوة والقرار.
ومع انفجار الحرب اللبنانية عام 1975، وتداخل العوامل الداخلية والخارجية، تحول لبنان أكثر فأكثر إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية، وأصبح الوجود الفلسطيني المسلح أحد أبرز عناصر المشهد اللبناني وتعقيداته.
ثم جاءت الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، ولا سيما اجتياحا عامي 1978 و1982، لتخلق ظروفًا موضوعية لانطلاق مقاومة لبنانية فعلية ضد الاحتلال الإسرائيلي. وفي تلك المرحلة برزت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية والقوى الوطنية والقومية واليسارية التي خاضت مواجهة مباشرة مع الاحتلال وقدمت تضحيات حقيقية في سبيل تحرير الأرض والدفاع عن لبنان.
غير أن التطورات التي أعقبت اجتياح عام 1982 حملت تحولات عميقة في بنية الصراع. فقد تولت إسرائيل، عبر الحصار والحرب، إخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت والجنوب والجبل. وفي المقابل، شهدت المرحلة نفسها وما تلاها مباشرة صراعات ومواجهات انتهت إلى إنهاء ما تبقى من استقلالية الوجود العسكري الفلسطيني في البقاع والشمال تحت تأثير مباشر للنظام السوري وحلفائه.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل؛ فإسرائيل التي خاضت حربها لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، والنظام السوري الذي رفع لعقود شعار دعم المقاومة الفلسطينية، انتهيا عمليًا إلى نتيجة واحدة تمثلت في إنهاء الوجود العسكري الفلسطيني المستقل على الساحة اللبنانية. وهي محطة تطرح أسئلة مشروعة حول طبيعة المصالح والحسابات التي حكمت تلك المرحلة، وحول الكيفية التي انتقل فيها لبنان من مرحلة إلى أخرى في مسار الصراع والنفوذ الإقليمي.
ومع تراجع الدور الفلسطيني المستقل، بدأت مرحلة جديدة برز فيها الدور الإيراني بصورة متصاعدة، مستفيدًا من التفاهم القائم مع النظام السوري آنذاك ومن فتح الأراضي السورية أمام الدعم اللوجستي والعسكري والسياسي. ومع تأسيس حزب الله وانتقال الرعاية والدعم إليه، أخذ عنوان المقاومة في لبنان يتبدل تدريجيًا، وانتقلت المرجعية الفعلية للمقاومة من مرحلة إلى أخرى.
ومع مرور الوقت، لم يعد حزب الله مجرد تنظيم مقاوم للاحتلال الإسرائيلي، بل تحول إلى قوة سياسية وعسكرية مؤثرة في القرار اللبناني، وصولًا إلى مرحلة أصبحت فيها معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" جزءًا ثابتًا من البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية، في تعبير واضح عن موازين القوى الفعلية التي حكمت لبنان خلال العقود الماضية.
وخلال تلك المرحلة، لم يعد ملف المقاومة في لبنان منفصلًا عن الصراع الإقليمي الأوسع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ومع توسع الدور الإيراني في المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن وغزة، أصبح لبنان جزءًا من شبكة صراعات ومحاور تتجاوز حدوده ومصالحه الوطنية المباشرة.
ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية. فالمقاومة بوصفها حقًا مشروعًا للشعوب شيء، وتحويل هذا الحق إلى أداة استثمار سياسي أو إقليمي أو دولي شيء آخر. وكما جرى سابقًا استثمار القضية الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية في مشاريع وصراعات تجاوزت فلسطين نفسها، جرى لاحقًا استثمار المقاومة في لبنان ضمن مشاريع وصراعات إقليمية ودولية متشابكة.
واليوم، يبقى مفهوم المقاومة في جوهره حقًا مشروعًا للشعوب في مواجهة الاحتلال والعدوان، لكن هذا الحق يفقد الكثير من جدواه الوطنية عندما يتحول إلى وسيلة لإبقاء الدول ساحات مفتوحة للصراعات الخارجية، أو عندما يصبح عاملًا يعيق قيام الدولة القادرة والعادلة التي يتطلع إليها المواطنون.
ومن المسلّم به أن لبنان، شعبًا وتاريخًا وانتماءً، جزء من محيطه العربي، وأن القضية الفلسطينية كانت ولا تزال قضية مركزية في وجدانه الوطني والقومي. كما أن حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة يبقى حقًا ثابتًا لا يسقط بالتقادم. غير أن الالتزام بهذه القضية العادلة لا يتعارض مع حق اللبنانيين في بناء دولتهم واستعادة قرارهم الوطني الحر، بل إن قوة لبنان واستقراره ووحدة مؤسساته تبقى عنصرًا أساسيًا في أي دعم فعلي ومستدام للقضايا العربية وفي مقدمتها فلسطين.
إن حاجة لبنان اليوم ليست إلى المزيد من الانقسامات أو الاصطفافات أو الارتهان لمحاور الخارج، بل إلى استعادة قراره الوطني الحر، ووقف العدوان الإسرائيلي المستمر، وتحقيق الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإطلاق الأسرى اللبنانيين، ومواجهة الضغوط الأمريكية المنحازة لإسرائيل، كما مواجهة سائر التدخلات الخارجية في شؤونه، وفي مقدمها التدخلات الإيرانية التي جعلت من لبنان جزءًا من صراعات تتجاوز مصالحه الوطنية المباشرة.
كما يحتاج لبنان إلى تعزيز وحدته الوطنية وترسيخ الثقة بين مكوناته، ودعم الجيش والقوى الأمنية والمؤسسات الدستورية الشرعية، وإطلاق خطط جدية لإعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والمواطنة وسيادة القانون.
فحق مقاومة الاحتلال لا يتناقض مع الدولة، بل يفترض أن يصب في خدمتها. والتجارب أثبتت أن قيمة المقاومة لا تُقاس فقط بصدق التضحيات وعدالة القضية التي تحملها، بل أيضًا بالنتائج التي تفضي إليها وبقدرتها على فتح الطريق أمام قيام الدولة لا أن تتحول الدولة إلى ساحة دائمة للصراعات التي تُدار باسمها.
وبعد عقود من الحروب والوصايات والاستثمارات الخارجية، يبقى التحدي الأكبر أمام اللبنانيين هو تحويل مشروع الدولة من فكرة يتفق عليها الجميع نظريًا إلى واقع فعلي يحتكر وحده سلطة القرار والسيادة والمسؤولية، ويؤمن للبنانيين الأمن والاستقرار والحرية والعدالة، ويعيد للبنان دوره الطبيعي في محيطه العربي، دولةً سيدةً حرةً مستقلةً، لا ساحةً لتصفية الحسابات والصراعات.












06/05/2026 - 05:49 AM





Comments