بقلم – عادل الحلبي
من قال إن «الغيرة» شك أو عدم ثقة أو أنها قاتلة، فقد جهل بأبجديات الحب، ولم يذق من شهده غير قطرة من عسل، ثم اكتفى بأن يعيش ما بقي من أيامه مع أحلامه، واختلى بنفسه بعيدًا عن مراكب المحبين.
«الغيرة» ما هي إلا كيمياء الحب المُفرط الذي أفرزه القلب، وصدّقه العقل، وسرى في سائر الجوارح بليلٍ فلم يذق طعم نومٍ ولا استيقاظ صبحٍ إلا وقد بات في حضرة رحاب من أحب، وحلّق في ملكوت العشق ضاربًا بالدنيا عرض المقادير، ومطلقها ثلاثًا لينعم في ظلال الفردوس الذي بناه لبنة لبنة.
إنه لشيء عجاب يكاد يخطف الألباب، شيء يشبه الخيال، أقوى من الحب، نبتت رياحينه في القلب. إنه عالم سحري لا تتقلب عليه فصول العام، ولا تتغلب عليه الهواجس والأوهام.
من أحبك بصدق، عيناه لن تفارقك؛ فلا تظن أنه يراقبك، بل هو يرى الدنيا بك، فأنت الضياء لعينيه، والأرض التي يعيش عليها، والسماء التي يحن إليها. من أحبك بصدق هو من رأى فيك نصفه الأول ونصفه الآخر، وهو يعلم أنه بدونك لا شيء يُذكر، فلا تغضب. من أحبك بصدق فهو في محرابك تعبد، وأنت لعينيه كُحل ومرود. من أحبك بصدق، وسرى حبك في عروقه مجرى الدم، سيغار عليك من النسيم الذي يلاعب ثيابك، والنوم الذي يداعب عيونك، والتراب الذي تطأه قدمك، بل سيغار عليك من أهلك!!!
يا عزيزي: كلمة الحب أصبحت في هذا الزمان كلمة «قزمة» داخل حزمة من الورود التي نبتت في حدائق الروح وعلى شطآن الجروح، ولاكتها الألسنة ونزفتها الأحبار على الورق. لكنها ستظل الأنقى والأبهى في قلوب المحبين الذين ركنوا إليها ونهلوا منها دواوين أشعارهم.
وشتان ما بين «الغيرة» والشك؛ فالذي يغار على حبه لم يدع حبيبه يفارقه طرفة عين، بل يراقب أنفاسه وسكناته، ويشعر به ولو كان بينهما بُعد المشرقين.
«الغيرة» ليست غمامة ولا أنانية، ولكنها فيض من غيض حب ترعرع في القلب وتفرع في العقل، وغرّدت على أغصانه البلابل وشقشقت العصافير. ولو شاء ربك لأسكنه أو أسكته أو أماته وأقبره، ولكن الله ألّف بين القلوب؛ فمنها من تعارف وأتلف، ومنها من تعارف فألف وولف، ومنها من تعارف واختلف.
أما «الشك» والعياذ بالله، فإنه ضيق بالصدر، وصعوبة بالأمر، وهو سيف غدر يقتل القاتل قبل القتيل!
وختامًا: أيها اللائمون، لطفًا وحنانيكم بمن أحب وغار؛ فقلوبهم أرق من ورق «الغار»، فاحذروا ثم احذروا أن تمزق بين أصابعكم وأنتم لا تشعرون.













06/01/2026 - 03:33 AM





Comments