التنوير (Enlightenment): حين يتحوّل التراث إلى سؤال

05/31/2026 - 15:14 PM

Atlantic home care

 

بيار مارون *

 

عندما كنت أدرس الماجستير في التاريخ في جامعة يونغستاون في أوهايو (Youngstown, Ohio)، كتبت أطروحة عن التنوير. وحين قرأها أستاذي المشرف، نظر إليّ وقال بهدوء: «هذا من أسوأ ما قرأت عن التنوير». لم أفهم يومها تمامًا ما قصد. كنت أظن أن الحماسة تكفي، وأن الدفاع عن فكرة يعني امتلاكها. لقد أعطيت الثورة الأميركية فضلًا أكبر مما تحتمل.

اليوم، وأنا أقرأ مقالًا للأستاذ علي بدوي، عدت إلى الموضوع من مسافة مختلفة: لا بوصفه فصلًا في تاريخ أوروبا، بل بوصفه سؤالًا عن لحظة يتحوّل فيها التراث من مصدر فخر إلى موضوع مساءلة، والعقل من شعار إلى موقف، والمعرفة من تراكم إلى وعي.

التنوير ليس حدثًا جاهزًا نرثه، بل طريقة في النظر إلى السلطة والماضي والإنسان. ليس التنوير حدثًا وُلد في أوروبا فجأة، ولا هو معجزة خرجت من عقل واحد أو كتاب واحد. لكنه أيضًا ليس تراكمًا آليًا لحضارات متعاقبة. فالتاريخ، مهما طال، لا يصنع التنوير تلقائيًا، والمعرفة، مهما انتقلت بين الأمم، لا تتحول إلى وعي إلا حين يتغيّر موقع السؤال نفسه.

التنوير يبدأ عندما يتحول الموروث من مرجعية صامتة إلى موضوع للمساءلة، والسلطة من قدر مفروض إلى موضوع للنقد، والمعرفة من حفظ إلى تجربة، والإنسان من رعية إلى ذات تفكر. لهذا لا يكفي تعداد إنجازات الحضارات القديمة. فمعرفة الرافدين بالقانون، وانتشار الأبجدية الفينيقية، وولادة الفلسفة اليونانية، وتطوّر العلوم في الحضارة الإسلامية، وترجمات المسيحيين المشارقة — كل ذلك مهم، لكنه لا يشكّل تنويرًا بذاته. إنه شروط وإمكانات. أما التنوير فهو لحظة نوعية: لحظة يتحول فيها القانون إلى سؤال عن العدالة، والكتابة إلى أداة لنقد المعرفة، والفلسفة إلى مساءلة للسلطة، والدين إلى علاقة جديدة بين الضمير والعقل.

في التجارب القديمة، من حمورابي (Hammurabi) إلى التنظيمات الفارسية، ظهر مبكرًا أن السلطة يمكن أن تُنظَّم وتُدوَّن، وأن ما يُدوَّن يمكن لاحقًا أن يُراجَع. لم تكن تلك عدالة حديثة، ولم تكن حكمًا دستوريًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لكنها جعلت الحكم قابلًا للتفكير، لا مجرد قدر مفروض. فحين تصبح السلطة مكتوبة، تصبح قابلة للمقارنة والتأويل والاعتراض، وحين يخرج القانون من فم الحاكم إلى نص معلن، يبدأ الوعي السياسي أولى خطواته نحو سؤال أكبر: من يضع القاعدة، ولمن، وبأي حق؟

ومع الأبجدية الفينيقية اتسعت إمكانات التدوين والاتصال، فصار الفكر قادرًا على السفر، وصارت المعرفة قابلة للانتقال خارج حدود الذاكرة الشفوية والجماعة الضيقة. لا يعني هذا أن الأبجدية صنعت التنوير، ولا أن الحرف وحده ينتج وعيًا نقديًا، لكنه يعني أن انتشار الكتابة خلق شرطًا أساسيًا من شروط تراكم المعرفة وتداولها. فالحرف لا يفكر بدل الإنسان، لكنه يمنح التفكير جسدًا قابلًا للحفظ والنقل والمراجعة.

ومع اليونان، أصبح السؤال نفسه قيمة. لم يعد التفكير قبولًا لما تقوله الجماعة، بل اختبارًا لما نظنه بديهيًا. سقراط (Socrates) لم يترك نظامًا فلسفيًا مغلقًا بقدر ما ترك طريقة في خلخلة اليقين. وأفلاطون (Plato) جعل الحقيقة موضوع بحث لا مجرد عادة موروثة. وأرسطو (Aristotle) حوّل العقل إلى منهج في النظر إلى الطبيعة والسياسة والأخلاق. هنا لا يظهر التنوير الحديث بعد، لكن يظهر أحد جذوره العميقة: أن الإنسان يستطيع أن يجعل العالم موضوعًا للفهم، وأن يجعل أفكاره نفسها موضوعًا للفحص.

ومع المسيحية ظهر معنى جديد لقيمة الإنسان أمام الله، وتعمّقت مفاهيم الضمير والخلاص والمحبة والرحمة. لكن هذا المعنى دخل لاحقًا في توتر مع مؤسسات دينية سعت، في مراحل كثيرة، إلى احتكار الحقيقة ومراقبة الضمير. لذلك لم يكن التنوير الأوروبي رفضًا بسيطًا للدين، كما يُصوَّر أحيانًا، بل كان في جانب أساسي منه نقدًا لسلطة ادّعت أن لها وحدها حق تفسير الحقيقة وإدارة العلاقة بين الإنسان والله. لقد كان الصراع، في عمقه، حول من يملك حق السؤال: المؤسسة أم الضمير؟ النص أم العقل؟ الإيمان الحر أم الطاعة المفروضة؟

وفي الحضارة الإسلامية، ولا سيما في المشرق والأندلس، دخل العقل اليوناني في حوار مع الوحي واللغة والطب والفلك والرياضيات. لم يكن الفارابي (Al-Farabi) وابن سينا (Avicenna / Ibn Sina) وابن رشد (Averroes / Ibn Rushd) وابن الهيثم (Ibn al-Haytham / Alhazen) والبيروني (Al-Biruni) والخوارزمي (Al-Khwarizmi) مجرد أسماء في سجل الفخر، بل علامات على لحظة كان فيها التفكير ممكنًا داخل أسئلة كبرى: ما العلاقة بين العقل والنقل؟ كيف نعرف الطبيعة؟ هل التجربة طريق إلى الحقيقة؟ كيف تُفهم النفس والوجود والمدينة؟ هنا لم تكن المعرفة مجرد حفظ لنصوص قديمة، بل إعادة تركيب لها داخل أفق جديد، حيث صار الشرح تأويلًا، والترجمة تفكيرًا، والاختلاف بين الفلسفة والكلام والطب والرياضيات مساحة لإنتاج أسئلة جديدة.

وفي هذا السياق يستحق «حي بن يقظان» لابن طفيل (Ibn Tufayl) وقفة خاصة. ليست الرواية أصل التنوير، ولا يجوز تحميلها ما لا تحتمل، لكنها نص استثنائي لأنها تطرح، قبل التنوير الأوروبي بقرون، سؤالًا سيصبح لاحقًا قريبًا من قلب الحداثة: ماذا يستطيع الإنسان أن يعرف إذا تُرك وحده أمام الطبيعة؟ في هذه القصة لا يتلقى الإنسان الحقيقة جاهزة من سلطة أو مؤسسة أو تقليد، بل يقترب منها عبر الحس والملاحظة والتأمل والعقل. قيمتها ليست في أنها أنجبت جون لوك (John Locke) أو روسو (Jean-Jacques Rousseau)، ولا في ادعاء تأثير مباشر، بل في أنها تذكّرنا بأن سؤال المعرفة والحرية لم يكن حكرًا على أوروبا، ولم تكن وحدها من صاغه ووسّعه.

لكن التنوير، كما تشكّل في أوروبا، لم يكن مجرد استمرار لهذه الشروط. كانت هناك لحظات فاصلة جعلت السؤال ينتقل من المعرفة إلى السلطة. الماجنا كارتا (Magna Carta)، مثلًا، لم تكن وثيقة ديمقراطية بالمعنى الحديث، لكنها وضعت بذرة مهمة: أن الملك ليس فوق القانون. وهذا التحول، رغم محدوديته، غيّر صورة الحكم من إرادة شخصية مطلقة إلى سلطة يمكن تقييدها بنص وقاعدة.

ومع النهضة عاد الإنسان إلى مركز النظر، لا بوصفه موضوعًا أخلاقيًا فقط، بل بوصفه جسدًا وطبيعة وعقلًا. ومع غاليليو (Galileo Galilei) تغيّر موقع الحقيقة: لم تعد ما تقوله السلطة، بل ما يمكن رؤيته وقياسه واختباره. هنا بدأ العقل يكتسب جرأة جديدة: أن يرى بعينه لا بعين المؤسسة.

وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، بلغ هذا التحول صورته السياسية. جون لوك (John Locke) تحدث عن الحقوق الطبيعية والعقد الاجتماعي، وروسو (Jean-Jacques Rousseau) عن السيادة الشعبية، وفولتير (Voltaire) عن حرية الضمير والتسامح. هنا خرج العقل من الكتب إلى الدولة. لم يعد السؤال: كيف نعرف؟ بل أصبح أيضًا: من يحكم؟ وبأي حق؟ وما حدود السلطة؟ ومن هو المواطن؟

جاءت الثورة الأميركية (American Revolution) كتجربة مبكرة لترجمة هذه الأفكار إلى نظام سياسي. لم تكن مجرد استقلال عن بريطانيا، بل إعلانًا أن الشرعية لا تأتي من الدم الملكي ولا من الوراثة، بل من إرادة المحكومين. وقد ساهمت وثائق مثل إعلان حقوق فرجينيا (Virginia Declaration of Rights)، وتجربة شخصيات مثل لا فاييت (Marquis de Lafayette) بين أميركا وفرنسا، في نقل لغة الحقوق من النظرية إلى الدساتير والثورات. لكن هذه التجربة حملت تناقضها منذ البداية: تحدثت عن الحرية والمساواة بينما بقيت العبودية قائمة، وبقي كثيرون خارج المواطنة الفعلية.

ومن أميركا انتقل الأثر إلى فرنسا، حيث تبلورت صورة المواطن الحديث بوصفه كائنًا سياسيًا لا رعية موروثة. إعلان حقوق الإنسان والمواطن (Déclaration des droits de l’homme et du citoyen) لم يكن مجرد نص قانوني، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الأمة والسلطة. لكن الثورة الفرنسية (French Revolution)، مثل التنوير نفسه، لم تكن نقية؛ فقد حملت العنف والإقصاء وتناقضات الحرية حين تتحول إلى يقين جديد. فالحرية، حين تُرفع إلى شعار مطلق من دون مؤسسات تحمي الإنسان من السلطة ومن الجماعة ومن الثورة نفسها، يمكن أن تتحول إلى أداة قسر باسم المستقبل.

وهنا يظهر الجانب المظلم من التنوير. فليس كافيًا القول إنه دعا إلى العقل والحرية والمساواة. لقد نشأ جزء من التنوير الأوروبي في لحظة توسع إمبراطوري، وكان كثير من خطابه عن الإنسان محصورًا عمليًا في الإنسان الأوروبي. مشكلته لم تكن أنه خان نفسه فقط، بل أنه كثيرًا ما عرّف «الإنسان» تعريفًا ضيقًا، ثم تكلم باسمه كأنه كوني. رفع التنوير شعار الكونية، لكنه كثيرًا ما قبل إخضاع شعوب أخرى باسم الحضارة. دافع عن العقل، لكنه سمح بتحويل العقل نفسه إلى أداة للهيمنة والتصنيف والسيطرة.

ومع ذلك، تبقى قيمة التنوير في شيء أساسي: أنه فتح باب مساءلة السلطة والمعرفة والمجتمع، حتى حين تنقلب هذه المساءلة عليه هو نفسه. التنوير ليس يقينًا جديدًا، بل قدرة على تفكيك اليقين. ليس انتصار العقل على الدين، بل انتصار السؤال على كل سلطة تدّعي احتكار الحقيقة، سواء كانت دينية أو سياسية أو علمية أو أيديولوجية. ولذلك لا نحتاج إلى تقديس التنوير ولا إلى رفضه، بل إلى استئناف روحه النقدية ضد حدوده هو أيضًا.

وهنا يعود السؤال إلينا. هذه الأرض — من الرافدين إلى النيل، ومن فينيقيا إلى الأندلس — لم تكن يومًا هامشًا في حركة التاريخ. هنا وُلد القانون، وهنا عبر الحرف البحر، وهنا نضجت أسئلة العقل والوحي، وهنا تطور المنهج، وهنا شرح العلماء والمترجمون وطوّروا وابتكروا. لكن السؤال المؤلم اليوم هو: لماذا انقطع الخيط؟ لماذا تحوّل العقل إلى تهمة، والحرية إلى خطر، والمعرفة إلى رفاهية؟ لماذا صار الماضي مصدر فخر، لا مصدر مسؤولية؟

التنوير ليس ذكرى، بل موقف. ولن يعود إلى العالم العربي ما لم يتحول إلى عقل في السياسة، وقانون فوق السلطة، ومواطن فوق الطائفة، وعلم فوق الخرافة، وإنسان فوق الولاءات الضيقة. فالحضارة ليست ميراثًا مضمونًا، ولا حقًا مكتسبًا لأمة لأنها أضاءت يومًا. الحضارة فعل مستمر، وتجديد دائم، وشجاعة في مواجهة الخوف والجمود والفساد. التاريخ لا يمنح أممًا حقًا أبديًا في الحضارة. وإذا كان الشرق قد أضاء العالم يومًا، فلن يستعيد دوره بتكرار الماضي، بل بإنتاج شروط جديدة للنهضة: عقل حر، قانون عادل، تعليم نقدي، ودولة لا تخاف المواطن.


* باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحّد — SOUL

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment